فهرس الكتاب
بيد أن ما ذكرناه يبقى في مدار الشاعر وهيكله، مترسخًا في وعيه، متفاعلًا معه، متفننا بإيضاحه في صورة متعددة، تحكي عن شرف المواقف المجيدة، لتلقى آذانًا صاغية، بما يسر المتلقين، ويتجاوب مع اتفقوا على تفضيله، واجمعوا على تمجيده، وبما ينسجم وهيبة الممدوح، ويتساوق مع أصوات الذات والجماعة.
فينشد الشاعر شعره في مجلس الممدوح، أو بين الناس، أو في الأسواق المختلفة، لتتناقله القبائل، وترويه، فيشيع في كل مكان
وللشعر أهمية في المجالس المختلفة ولذلك قيل"إنه ليس شيء يقوم مقامه في المجالس الحافلة، والمشاهد"، إذا قام منشد على رؤوس الإشهاد،.. ولا يهتز ملك، ولا رئيس لشيء من الكلام، كما يهتز له، ويرتاح لاستماعه" [1] ."
ومن هنا فإن الشعر الذي ينشد بين السماطين يجب أن يكون محكّكًا، وأن يكون الشاعر قد عاود فيه النظر جيدًا، لاغث فيه، ولا ساقط، ولا قلق [2] .
ولذلك نجد بعض الشعراء من يحكك شعره وتمكث القصيدة عامًا كاملًا، وكانت تسمى تلك القصائد بالحوليات، والمنقحات، والمحكمات [3] .
وقال الأصمعي عن الشعراء الذين ينقحون شعرهم"زهير بن أبي سلمى والحطيئة وأشباههما، عبيد الشعر" [4] .
وكثيرًا ما كانت تعقد المجالس، ويحضرها خاصة القوم، ومجالس يحضرها عامتهم، فكانت"لا تطيب، ولا تؤنس إلا بإنشاد الأشعار" [5] .
وقد مدح زهير بن أبي سلمى سنان بن أبي حارثة المرى وهرم بن سنان:
هنالك إنْ يُسْتَخْبَلوا المالَ يُخْبلوا ... وإنْ يُسْأَلوا يُعطوا وإنْ يَيْسِروا يُغْلُوا
وفيهم مقاماتٌ، حسانٌ وجوهُهم ... وأنديةٌ، ينتابُها القولُ والفِعلُ
وإنْ جِئتَهمْ ألفيَت حولَ بيوتهم ... مجالسَ قد يُشفى بأحلامِها الجهلُ
وإنّ قام فيهم، حاملٌ قال قاعدٌ ... رَشَدْتَ فلا غُرْمٌ عليكَ ولا خَذْلُ
(1) كتاب الصناعتين: 143.
(2) العمدة: 1/199.
(3) البيان والتبيين: 2/9.
(4) البيان والتبيين: 2/13.
(5) كتاب الصناعتين: 144.