فهرس الكتاب
ومن طبيعة العربي أن يتغنى بالشجاعة والبطولة والفروسية والكرم، ويفخر بخوضه غمار الحروب، ويعبّر عن واقعه أصدق تعبير، لأنه ليس شاهد عيان حسب، بل شارك في تلك الوقائع، وإن كانت تلك المفاخرات لا تخلو من المبالغات التي هي جزء من النفس الإنسانية في تعظيم الذات والجماعة، وهي جزء أيضًا لا ينفصل عن الشعر بحد ذاته، قال المهلهل:
فلولا الريح أسمعَ أهلَ حجرٍ ... صليلَ البيض تُقْرُع بالذّكورِ [1]
من المعروف أن حروبهم كانت بالجزيرة، وحجر: قصبة باليمامة، فلولا الريح لسمع أهل حجر الصليل، فالأصوات المستخدمة أشاعت نغمًا نسمعه في الصورة التي شكلها المهلهل.
ولا بد عند إعلان مفاخرهم وبطولاتهم من ذكر آلات الحرب وأصواتها التي شكلت الصورة السمعية التي انبثق التشبيه منها لاستثارة الصوت والنغم:
ونسمُع للهندي في البيضِ رنة ... كرنّةِ أبكارٍ زُفِفْنَ عرائسا [2]
ومن ذكر عويل النساء الذي شكل صورة لمشهد أو مسمع مأساوي عبر الأصوات المختلفة من التسوية والعويل:
فما تركوا في عامرٍ مِنْ منوِّهٍ ... ولا نسوةٍ إلاّ لهنَ عَويلُ [3]
ويسمع عنترة شكوى الفرس [4] ، وقال عامر بن الطفيل:
ونحن الأولى قدنا الجيادَ على الوَجا ... كما لَوّحَ القوّاس نَبْعًا وسأسَما [5]
إذا هيأ الشاعر السمع لاستقبال ما يثيره الوجع من شكوى وألم عبر الإيقاع الصوتي للألفاظ.
وقد تنوعت البحور التي ضمت الفخر والحماسة، ولم تقتصر على بحر دون آخر، وقد استخدم عمرو بن كلثوم، البحر الوافر، الذي يضج بالحركة والحماسة والجرس العالي الذي انبثق من عنف المناخ النفسي للشاعر.
فإنَ قناتنا يا عمرو أعيتْ ... على الأعدادِ قبلكَ أنْ تلينا
(1) أخبار المراقسة: ق8/277.
(2) عمرو بن معد يكرب: ق45/114.
(3) سلامة بن جندل: ق4/194، عامر بن الطفيل: 95/100.
(4) ديوانه: ق1/75- 76/217-218.
(5) ديوانه: 117- سأسم: الأبنوس. الوجا: ان يتشكى الفرس حافره.