فهرس الكتاب
هي قصيدة فخر وحماسة، امتازت بجودة نسيجها الفني، ومضامينها التي عبرت عن أيام ووقائع امتازت بالمآثر، وقد احتشدت فيها الصور السمعية المفردة والمركبة، وامتلأت بالأصوات، حيث تتابعت الصور السمعية عندما تعرض الشاعر للأراقم من إجماع أمرهم واتحاد كلمتهم، وعقد ما اتفقوا عليه ليلًا، ومن ثم تنفيذه صباحا عندما سمع صياحهم وجلبتهم، وقد علت أصوات الداعين والمجيبين واختلاطها بصهيل الخيل والإبل لتجمعهم في مكان واحد، وما تلك الضوضاء العالية إلا استعداد للحرب وما يتطلبه الموقف، ليبين لنا طبيعة أعدائه، وحبهم للعدوان، وقد استوعب البحر الخفيف عبر إيقاعاته الموقف الذي صوره الشاعر.
وقد تميز الإيقاع الداخلي الذي هيأته الأصوات المتتالية الحلقية (القاف) ، والنون ذات الرنين والغنة، والهمزة، والهمزة الذي هو لا مجهور ولا مهموس، فضلًا عن أصوات الألفاظ ذات الدلالة السمعية وتداخلها أدى إلى أن يكون جرس الأبيات عاليا لإيصال الصورة السمعية، مع الانفعال النفسي
على أن الصورة السمعية التي تلت الصورة مباشرة هي صورة الناطق همسا في أذن صاحب الشأن (الملك عمرو بن هند) بقصد إثارته على (تغلب) حيث نجد أن صوت الشاعر قد خفت حدته، لأن الوشاية لدى الملك بحاجة إلى تزيين القول مع روية، والشاعر في معرض التعرض بالخصم لايضاح بطلان وشايتهم، فلا بد أيضًا من أن ينهج السبيل نفسه في الهدوء المطلوب، ولكي لا تستقر الوشاية في مسمع الملك وقلبه، يتساءل هل للوشاية أن تدوم؟ وهو يعني أنها لا تدوم لأن الباطل لا يبقى.
فكان الشاعر متمكنًّا من قصيدته وإنشادها، وقد برع في الدفاع عن قومه، حتى رفع الملك عنه الحجب وقربه، إعجابًا بما أنشد، بعدما كان ينشد من وراء سبعة حجب ثم يغسل أثره بالماء كما يفعل بسائر البرص.
إن حدة النغمة وهدوءها تنسجم مع طبيعة الصورة التي يشكّلها الشاعر، مع تأثير الانفعالات النفسية وطبيعة الموضوع.