فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 337

ومن أغراض الشعر، غرض آخر هو الهجاء، ينشده الشاعر للتعبير عن سخط وغضب لموقف معين، ينفث فيه سخطه على المهجو فردًا أم جماعة، بألفاظ جارحة وصور مؤذية.

وينشأ الهجاء بتأثير مواقف الحياة الكثيرة، ليس بفعل الحرب وحدها، فتنعكس تلك المواقف على الشاعر، لما له من خوف ورهبة، فيلجأ إليه منتقمًا.

ويتداخل الفخر والحماسة والمديح بالهجاء، ومن شدة وقعه وأثره، فقد عد من عمل السحرة والشياطين، وقد تطرق إليه الشعراء أنفسهم [1] .

ومما يدخل في الروع امعانًا في التأثير النفسي، وإيغالًا في صب اللعنات ان يرتدوا أزياء غريبة، ومما يروي بهذا الصدد دخول لبيد على النعمان وقد حلق رأسه وترك ذؤابتين، وقد دهن أحد شقي رأسه، ولبس حلة، وأرخى ازاره، وانتعل نعلًا واحدة، ثم صار يهجو خصمه، وكذلك كانت الشعراء تفعل في الجاهلية إذا أرادت الهجاء [2] ، وذلك مما يستدعيه الأثر النفسي في إنزال اللعنة على المهجو.

ومن خوف الهجاء كانوا يشدون لسان الشاعر بنسعة كما فعلوا بعبد يغوث بن صلاءة الحارثي [3] ، حيث يمحق الهجاء الفضائل كلها، وكان سادة القوم يبكون خوف الهجاء، ويبلغ من خوفهم من الهجاء ومن شدة السب عليهم، وتخوفهم من أن يبقى ذكر ذلك في الأعقاب، ويسب به الأحياء والأموات، إنهم إذا أسروا الشاعر أخذوا عليه المواثيق [4] .

ويتنوع الشعر المنشد ما بين الهجاء المقذع والسباب، والهجاء بأسلوب مغاير يتخذ من الاستهانة بالخصوم، أو الغض منهم بتجاهلهم، على أن من خصائص شعر الهجاء قصر قصائده، وأكثره مقطعات لأنه ملائم لسيرورته وذيوعه وانتشاره، ويتنوع الشعر بتنوع الهجاء المقذع، والهجاء الهادئ.

(1) الأعشى: ق12/95-96، سويد بن أبي كاهل: ق10/34-35.

(2) امالي المرتضى: 1/134.

(3) المفضلية: 30

(4) ينظر البيان والتبيين: 4/41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت