فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 337

أما فيما يخص الإيقاع فيكون قويًا شديدًا في الهجاء المؤذي، وفيما يخص الصورة السمعية فإنها هي أيضًا تكون شديدة على السمع، تنفر منها الآذان، وربما ينشد الشاعر هجاءه بصوت جهير كي يبلّغ هجاءه لمن يقصد، يساعده في ذلك البحر الشعري.

ونجد زهير بن أبي سُلمى يهدد بهجاء الحارث بن ورقاء الصيداوي الذي أغار على قوم زهير، واستاق أبله وراعيها يسارًا، عبر أداء صوتي رسم لنا صورة سمعية للتهديد:

تَعْلَمَنْ، ها -لَعمرُ اللهِ- ذا قَسَمًا ... فاقدرْ بذرعكَ، وانظرْ أينَ تَنْسَلِكُ

ليأتيّنكَ منّي منطقٌ قَذَعٌ ... باقٍ، كما دَنَّسَ القُبطِيَّةَ الوَدَكُ [1]

قارتاع الحارث من قصيدة زهير ورّد عليه إبله ويسارًا، وقد استخدم زهير الألفاظ السمعية بصيغة الأمر (تعلمن) أي أعلم، و (هاء) التنبيه، وصيغة القسم (لعمر الله) وأردفها بلفظة لتوكيد القسم، وفعل الأمر (قدّر) أين تضع خطوك واستخدم التوكيد في (ليأتينك) اقبح الشتم والهجاء (قذع) يجري على أفواه الرواة على مدى الدهر، ويدنس عرضه، ونجد أن البحر البسيط قد استوعب الحالة النفسية لزهير، واستوعب التهديد في إيقاع يتناوب بين السرعة والاعتدال مع ما فيه من جرس داخلي يتلاءم مع التهديد، ذلك كله شكل صورة سمعية.

وفي أسلوب آخر للهجاء، يتخذ الشارع من الاستهانة بالخصم وسيلة للتعبير عن الغرض بهدوء مقترن بالإيلام، حيث مثله زهير في هجاء آل حصن:

وما أدري -وسوف، إخالُ أدري: ... أقومُ آلُ حصن أمْ نِساءُ؟

فإنّ قالوا: النساء، مخبّآتٍ ... فحُقّ لكلِ مُحْصَنةٍ، هِداءُ

وإمّا أنْ يقولَ بنو مصادٍ: ... إليكمْ، إنّنا قومٌ بِراءُ

وإمّا أنْ يقولوا: قد وفينا ... بذّمتنا، فعادّتُنا الوفاءُ

وإما أنْ يقولوا: قد أبينا ... فَشَرُّ مواطنِ الحَسَبِ الإباءُ [2]

(1) زهير بن أبي سلمى: ق5/88-89.

(2) ديوانه: ق11/136-138.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت