فهرس الكتاب
والصورة السمعية في الغزل والنسيب ليست قليلة مقارنة إلى الصورة البصرية التي يعتمدها هذا النوع من الشعر، طالما أن الشعر الجاهلي وبخاصة الغزل والنسيب يعتمد التشبيهات الحسية، وفي ضوء هذه الحقيقة نستطيع أن نرصد الكثير من الشعر العاطفي بهذا الاتجاه، واقترانه بالألفاظ السمعية، والأصوات المتعددة إلى جانب الوزن الشعري، والجرس الموسيقي، وتناغم الألفاظ، وتآلف الحروف، وتكرار المفردات والأصوات والجمل، سواءٌ أكان ذلك لتقوية النغم، أم تقوية المعنى عبر الصور السمعية المختلفة لأن تكرار الألفاظ من شأنها تقوية النغم وإكساب الإيقاع الداخلي قدرة التردد الصوتي الواضح في اكتساب صيغة الإنشاد القائمة على السماع، وإيصال الغرض المطلوب في أسماع المتلقين"ولا شك أن الطريقة التي كان يلقى بها الشعر كانت لها صلة قوية بهذا النوع من التكرار [1] ."
وإذا ما تأملنا نسيج الصور السمعية، عند إنشاد الشعر المرتبط بالعاطفة، نجد الشاعر يدرك أن إثارة العواطف أقدر من غيرها على تحقيق الغرض.
وبالرغم من أن شعر الغزل والنسيب عبّرت عنه الصور البصرية، بَيْدَ أنَ الرؤية لا تحجب وجه الحقيقة في كون استحضار الألفاظ السمعية لتشكيل الصور السمعية ضمن إطار القصيدة يعد استكمالًا للصور الأخر الشمية والذوقية وفي طليعتها البصرية.
وتتجلى العاطفة في شعر الغزل والنسيب حيث يشكو الشاعر"شدة الوجد، وألم الفراق، وفرط الصبابة والشوق، ليميل نحوه القلب، ويصرف إليه الوجوه، وليسترعي به إصغاء الأسماع، لأن التشبيب قريب من النفوس، لائط بالقلوب، لما قد جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل، وألف النساء، فليس يكاد أحد يخلو من أن يكون متعلقًا منه بسبب، وضاربًا فيه بسهم.." [2] .
(1) الشعر والشعراء: 81.
(2) الشعر والشعراء: 81.