فهرس الكتاب
وما دام الشعر غناء، فلا بد للشاعر من أن يتغنى بعاطفته يشاركه الناس أحاسيسه وشوقه [1] ، وحنينه [2] ، ويستمعوا إلى شكواه وألمه [3] ويستميل الحبيبة إليه عن طريق إنشاده الشعر الذي يتغنى بجمالها ومحاسنها ومفاتنها، ولا بد أن يتحدث المحب إليها، ويسمعها شعره الذي يعبر عن حبه لها"وهذه العاطفة ناشئة من عدة انفعالات هي الحنو، والجنس، والاحترام، والعطف [4] . قال المرقش الأصغر:"
صحا قلبَهُ عنها على أنَ ذِكْرَةً ... إذا خَطَرتْ دارتْ به الأرضُ قائما
أَلا يا اسلمي ثم اعلمي أنَ حاجتي ... إليكِ، فردي منْ نوالكِ فاطما
أفاطم لو أنَ النساءَ ببلدةٍ ... وأنتِ باخرى لا تبّعتُكِ هائما [5]
إن ما يربط بين الصورة التي شكلّها المرقش الأصغر الانفعال النفسي الناشئ، من (صحا قلبه) عن حب فاطمة وذكراها التي تعاوده، وما يصيبه من دوران الأرض به يكشف عن تعلقه بها، وحاجته إليها، وتتبعه لها هائمًا، فضلًا عن الأداء الصوتي في (ذكرة) التي تحمل طاقة تصويرية قادت إلى إيقاعات متتابعة في التنبيه، والعلم والنداء مما أدى إلى تشكيل الصورة السمعية والصورة الكلية.
ومن خلال تتبعنا لنصوص الغزل والنسيب نجد الشعراء يبدعون في هذا النوع من الشعر لأنه يمس العواطف التي تنسجم وعواطف الآخرين، لذلك فهو يسمع ويحفظ ويروى، ويلقى الحفاوة من لدن المستمعين على اختلاف منازلهم ومشاربهم.
(1) بشر بن أبي خازم: ق25/ 1-4/118، ق28/1/137، أبو ذؤيب الهذلي، ديوان الهذليين: 1/ 63-64.
(2) عبيد بن الأبرص: ق31/5/80، طرفة بن العبد: 45 حاتم الطائي (كرنكو) : 34، عمرو بن كلثوم، جمطرة: أشعار العرب: ب27/343 المتلمس الضبعي: ق4/82-85. ابو ذؤيب الهذلي، ديوان الهذليين: 1/63.
(3) طرفة بن العبد: 52
(4) العقل الباطن: 78.
(5) شعره: ق2/534-536.