وقد انطقوا كلماتهم فأكاد أسمعها بالرغم من شقة الزمن التي تفصلني عنهم من حقب وأحداث وأمكنة، وأكاد أحسّ أنني أشهد وقائعهم، وأجوس الديار معهم، وأسمع كل نأمة حب تدور في جوانحهم وهم في خيامهم، أو في الخليط المزايل.
كنت أستجلي أمر كلّ غامض، وأمْتَحُ من كل مصدر إذا ما تأبّى معنى، أو أشكَلَتْ صورة، بما أمدّتني به يد المُساعفة، حتى يطاوعني الشارد العصي، ويقترب مني الصوت البعيد، فكانت الثمرة هذا البحث، وقد تحدد بأربعة فصول وخاتمة، مسبوقًا بكلمة بين يدي البحث، وتمهيد يضم توضيحًا لماهيّة الصورة السمعية وأهميتها، وبسط القول في تفضيلها، وقيام العصر الجاهلي على السماع والمشافهة والرواية، مع إيضاح الروافد التي استمد منها الشعراء صورهم السمعية.
اقتضت طبيعة الفصل الأول (منافذ الأداء السمعي في هيكل القصيدة) أن يضم ثلاثة مباحث، تناول الأول مفتتح القصائد، وأهم ما ضمته من موضوعات الطلل، والطيف، والشكوى من الشيب، والنسيب والغزل، والفروسية، والحكمة، وبيّنا ما فيها من صور سمعية صريحة ومخفية، وأثر حاسة السمع على لوحات الافتتاح بالرغم من أنها توحي بالصورة البصرية للوهلة الأولى، ولكنها استخدمت الألفاظ ذات الدلالات السمعية والإيقاعية، والألفاظ الصريحة والموحية.
أما المبحث الثاني فقد انصرف إلى الرحلة بشقيها: رحلة الظعائن، حيث رحيل الأحبة، وتأثير الفراق في أحاسيس الشعراء التي انعكست على صورهم السمعية، والشق الثاني المتمثل برحلتهم هم عبر الصحراء ومخاوفها مع رفيقة سفرهم (الناقة) ، وما خلّفته تلك الرحلات من آثار شعرية وصور متعددة جسدت مشاعرهم، ووصلت إلينا من خلالها أصواتهم عبر القرون التي تفصل بيننا.
كما أنها فصّلوا القول في الحيوانات المختلفة في صور سمعية، لم يتركوا منها شيئًا إلاّ وقد ذكروه.