فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 337

للحكمة أثر بالغ في حياة الأمم والشعوب، ولا تنبثق إلاّ من التجارب الحيوية المختلفة، والشعراء الجاهليون كانت لهم القدرة الكبيرة على إيجاد الحكم سواء أكانت مستمدة من تجاربهم، واستخلاصها بدافع الحاجة إليها من مواقف الحياة، أم أنهم استخلصوها من أحداث الماضي وأخبار القرون الخالية لتكون عبرة لهم، ولا نعدم وجود بعض الخطرات التأملية التي صاغوا منها بعض الحكم، وقد انتشرت في أشعارهم، وخاصة في لوحة الغرض، أو يختتمون بها قصائدهم، كما وردت في الرثاء لاستخلاصها من الحياة والموت.

بيد أن الحكمة في مقدمات القصائد لم ترد بتلك الكثرة، بالرغم من وجود بعض القصائد القائمة بحد ذاتها على الحكمة، على أن منافذ الأداء السمعي فيها ليست بتلك الكثرة التي تشكل صورًا سمعية بارزة، بل تخلو حتى من الصور العامة إلاّ ما ندر، ويشيع الجفاف فيها، أو قل إنها تخلو من الشاعرية في أحايين كثيرة، إذ يتوخى الشاعر منها إيصال الحكمة وليس فيها من الشعر إلاّ الوزن، وقد تنسجم وحالة بعض المتلقين لموقف معين، ويبطل تأثيرها.

وقد تعددت موضوعات الحكمة، ففي صلاح الرأي والرشد قال الأفوه الأَودي:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جُهّالهم سادوا

تلفى الأمور بأهلِ الرُشد ما صلحت ... فإن تولوا فبالأشرارِ تنقادُ

كيف الرشادُ إذا ما كنتَ في نَفَرٍ ... لهم عن الرشد أغلالٌ وأقيادُ

أعطوا غواتهم جَهْلًا مَقادَتهم ... فكلّهُمْ في حبالِ الرأي مُنقادُ [1]

بالرغم من خلّو تلك الأبيات من الألفاظ السمعية الصريحة في نسيجها، إلاّ أن مؤداها الذي اتخذ صيغة النطق والسمع والفعل ضمنًا، والاستفهام ظاهرًا منحها صيغة الأداء السمعي وضمن المدركات الحسية المختلفة بما فيها أصوات الأغلال والقيود والرأي، كما أن تكرار الألفاظ والإيقاع الخارجي أدّى إلى أن نتجه إلى الصورة السمعية في أدائها الصوتي العام.

(1) الطرائف الأدبية: ق (ز) / 10.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت