فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 337

أبيات أبو ذؤيب تفيض ألمًا ورقّة، واستفهامهُ وتوجعُهُ يُثيران تعاطفًا معه واستسلامًا للألم العميق الذي لا دفع له، والدهر ليس براجع عمّا تكره لِما تحب.

إن مشاعر الألم الدفين لدى الشاعر انعكست على ألفاظه، حتى لنسمع كل نأمة في هيكل الشاعر الدامي، ونكاد نسمع نبضات قلبه، بيد أنه يحاول أن يخفي الفجيعة بما أسبغه من حكمة يرتفع فيها من التوجع العلني إلى صوت التأسي الشفيف في وقار الحكماء، فهو في صراع، وينبثق في أعماقه صوتان، صوت الألم، وصوت الوقار والحكمة.

صوت الحكمة يجد طريقه إلى الخارج في نصيحة اتجهت في مسارب الحكمة، يفعمها صوت الاستفهام الممتزج بالتوجع، والعتاب، والبكاء، وكلها أصوات تعبّر عن الفجيعة لا تدفع قَدَرًا، ولا تعيد الذين رحلوا إلى العالم الآخر، ومن رحل لا يسمع البكاء.

على أن الأفعال، وتكرار الألفاظ قد أدّت دورها إلى جانب الألفاظ السمعية الصريحة، فتشكلت الصورة السمعية وبجانبها صورة حسية أخرى اتخذت من الاستعارة المكنية أساسًا لها، وإن تكرار أصوات الحروف مثل (العين) أدّى إلى إشاعة النغم الحزين المتآلف معنى وصوتًا، وقد استوعب البحر الكامل تلك المشاعر الحزينة، وتنغيمها بين الشجو والانكسار النفسي وبين الحكمة الهادئة، ولا يخفى أن صوت الرّوي (العين) المضموم المشحون بالموسيقى المتدفقة من موسيقى النفس ونبضات القلب قد تكثف فيه المعنى وإيقاع الألم.

ومن الملاحظ أن هذه الحكمة في إطارٍ من الفنية إنما انبثقت من الرثاء الصادق، ومن أب مفجوع فقد أبناءه، ولذلك اتسمت هذه القصيدة بالذات بالشهرة الواسعة لجودتها، وتأثيرها.

وقال الربيع بن زياد في الحكمة التي تعبّر عن الأنفة والامتناع عن الضيم:

الحربُ أحلى إذا ما خفتَ نائرةً ... من المقام على ذلٍّ وتصغير

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت