فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 337

فَأذَنْ بحربٍ يغصُّ الماء شاربها ... أو أنْ تدين إلى إحدى التحاسيرِ [1]

الحرب بآلامها وويلاتها شديدة الوقع، مُرة، لا تستساغ هي أهون مِنْ أنْ يكون مقام المرء على ذلٍ ومسكنة وتصغير شأن، أو أنْ يلتجئ المرء إلى إحدى الدواهي، فالحكمة التي استنتجها الربيع بن زياد شكلت صورة الحرب، وهولها، وهول الذل والمسكنة، وأن أهون الأمرين أن يؤذن المرء بحرب، فصوت النداء للحرب يستدعي تحفيز الذهن لذلك، فتتداعى المعاني والصور وتتجسد مأساة الحرب، وذلك كله عند الشاعر أهون من الضيم، فسلط الشاعر على حكمته وانفعالاته الخفية التي تعتمل بأعماقه، وترك لنا الخيار بين الحرب والنائرة والذل والتسليم إلى إحدى الدواهي، وهي أصوات تتصارع داخل الإنسان، على أن فروسية الشاعر تأبى ذلك، ومن هنا كان اختياره لخوض الحرب، وأن صوت (الحاء) المتكرر قد منح البيتين جرسًا خاصًا يتساوق مع التأنق في اختيار الألفاظ التي تجعل (الحرب أحلى) ، وقد استوعب البحر البسيط الفكرة التي تدعو إلى التمسك بالرجولة والامتناع عن الضيم.

أما فيما يخص الحكمة المستمدة مِنْ أخبار الماضين، واستخلاص العبرة منها فقال عدي بن زيد:

يوم يقولون يالَ بربر والـ ... يكسومَ لا يَفْلِتَنْ هاربُها

وكان يومًا باقي الحديث وزا ... لتْ إِمّةٌ ثابِتٌ مراتِبُها [2]

إن (القول) و (الحديث) مدار الصورة السمعية المفردة البسيطة في هذين البيتين في إطارٍ من التقريرية، فالقول ينبئنا عن الموت الذي لا يفلت منه أحد، حتى الهارب منه لا يفيده هربه، ويبقى الحديث بعدهم عن زوال النعمة والمراتب بقصد التوعية المستمرة.

(1) دراسات في الأدب الجاهلي، الجزء الثاني: ق 6/ 327. نأرت نائرة في القوم، هاجت هائجة. والنائر: الملقي الشرور بين القوم. التحاسير: الدواهي.

(2) ديوانه: ق 5/ 45- 49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت