فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 337

وتتخذ مشاهد التحمل والارتحال صورًا شتى، تعكس الجوانب النفسية والعاطفية، فضلًا عن الجانب الفني، فيصورها لنا الشعراء مشاهد حية نسمعها من نبضات قلوبهم، ونحسها من خلال فيض أشواقهم الدافقة، وهم يتحدثون عن الحمول الظاعنات، والهوادج الراحلات، والحبيبات اللواتي يَمَّمن شَطْرَ ديار نائية، وقد خلّفن قلوبًا أمست نهبًا للهواجس والحرمان، متشوقةً للملتقى، وقد أرمضتها شمس الصحراء، وهن في حد وجهن، يختلسن النظرات إلى الأحبة من فتحات الهوادج.

ويقف الشاعر ذاهلًا، يملأ خافقه بلوعة الفراق، متتبعًا ركب الحبيبة التي تنكبت لحبه، وصرمت حبل الوصل بينهما، فتقطع الود، عندها تنفلت الانفعالات بفرحها وحزنها لتصوير الحالة بما يستدعيه الموقف، وما يستدره من براعته الفنية وقدرته الشعرية على التخيل، والتأمل، وكد الذهن حسب الموقف استقرارًا، أو اضطرابًا.

وقد آثرنا تناول الظعائن بعد لوحات الافتتاح لكثرتا وتنوعها، وعدم تناولها ضمن لوحات الافتتاح لقلتها وصورها المحدودة التي لا تخرج عن التساؤل في أغلبها [1] .

وقد اتجه الظعن عبر مشاهد التحمل والارتحال إلى خطوط عامة لإبراز الصورة السمعية حيث تمثلت إبتداءً بالتساؤل التقليدي، والحوار البسيط، لإخبارنا بأمر الرحيل، ومن ثم الإيذان به، وإن غلبت الصورة البصرية عليها، حيث تطالعنا نماذج كثيرة لهذا النمط، ولم يسلم منها حتى شعراء المرحلة الثانية من العصر الجاهلي من أمثال زهير بن أبي سلمى الذي وقع في شراك التقليد الفني.

(1) بشر بن أبي خازم: ق 11/ 49، ق 15/ 61، عبيد بن الأبرص: ق 31/ 79، 49/ 49/ 127، المرقش الأكبر: ق 4/ 878، سلامة بن جندل: ق 4/ 188، زهير بن أبي سلمى: ق 5/ 78، الطفيل الغنوي: ق7/ 72، ق 31/ 107.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت