فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 337

وكان بإمكان الشعراء الإفادة من دور الحادي وتوظيفه في إبراز ملامح فنية جديدة تمثلها صور سمعية من زوايا إبداعية متباينة، بيد أنهم آثروا الاكتفاء بالإشارة إليه لعلة قد خفيت في نفوسهم، أو بسبب عدم إثارة اللوعة الكامنة في أعماقهم وحرقة الفراق الحادة التي يمثلها الحادي حين ينطلق مؤذنا بالرحيل، وهو ناعم البال، صافي الذهن، خالي الوساد، وقد أشار عبيد بن الأبرص إلى تلك الحالة عند حاديين [1] ، وتتعدد الإشارات إلى الحادي عند الشعراء [2] بحيث لا يكاد المتلقي يحس به، ولكنه يشكل مع مفردات أخر صورة سمعية بسيطة.

وإذا ما تتبعنا حركة الحمول وهي في صورتها السمعية الإيحائية فإننا نجد حركتها وهي تسير في الصحراء كحركة السفينة التي تشق عباب البحر، فالحركة والفعل والصوت الخفيف تشكل صورة مع تصوير وقع ذلك في الأداء الشعري، قال بشر بن أبي خازم:

فكأنَ ظُعْنَهُمُ غَداةَ تحمّلوا ... سُفُنٌ تَكَفّأُ في خليجٍ مُغْرَبِ [3]

لا بدّ للرحيل مِنْ صوت لِما يتطلبه من استعداد وشدّ الأمتعة فضلًا عن الجلبة قبل الرحيل وبعده، فتتمايل الطعون كما تتمايل السفن في الخليج الممتليء ماءً، وإن انتشار بعض الأحرف ساعد على إيجاد تجانس نغمي مثل الفاء في (فكأن، تكفأ، سفن) والنون في (كأن، ظُعْنَهُمُ، سُفُن) والعين والغين في (ظعنهم- غداة، مُغْرَب) .

(1) عبيد بن الأبرص: ق 42/ 10/ 113.

(2) بشر بن أبي خازم: ق 15/ 3/ 62، عمرو بن قميئة: ق 11/ 5/ 55، عبيد بن الأبرص: ق 16/ 3/ 47، عمرو بن كلثوم: المعلقة، جمهرة أشعار العرب: ب 25/ 342، بشر بن عمرو بن مرشد، المفضلية: 7/ ب 4، قيس بن الحدادية: ق 9/ 13/ 211، المتلمس الضبعي: ق 8/ 2/ 165، زهير بن أبي سلمى: ق 4/ 13/ 68، ق 5/ 6/ 80، عمرو بن شأس: ق 9/ 14/ 75، لبيد: ق 35/ 39/ 242.

(3) بشر بن أبي خازم: ق 7/ 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت