فهرس الكتاب
ومن هنا نجد الصورة السمعية من خلال استحضار الحركة والفعل للإيحاء بالصوت، ومن ثم وقع ذلك في الأداء الشعري:
وقال عبيد بن الأبرص:
كعومِ سفينٍ في غوارب لُجَّةٍ
تُكَفِّئِّهُا في وَسْطِ دجلةَ ريحُ [1]
1@خلايا سفين بالنواصِفِ منْ دَدِ ... وقال طرفة بن العبد:
كأنَ حدوجَ المالكيةِ غُدوةً
يَجورُ بها الملاّحُ طورًا ويهتدي ... عدوليةٌ أو منْ سفين بنِ يامنٍ
كما قَسَمَ التُربَ المفائلُ باليَدِ [2] ... يشقُ حبابَ الماءِ حيزومُها بها
شبه الشاعر الحدوج مع الإبل بالسفن العظام، تشير في مواضع تتسع بين الأودية كالرحاب، أو مجاري الماء إلى الأودية، مستخدمًا الأفعال والحركة التي لا بد أنْ تحدث أصواتًا مثل: يجور، يهتدي، يشق، قسَمَ، فضلًا عن انتشار الأحرف المختلفة لتقوية النغم منها: النون في (كأن، سفين، النواصف، بن يامن، والتنوين، والفاء في(النواصف، المفائل) ، والقاف في (يشق وقَسم) .
ويتعدى الأمر إلى الخيام المحمولة حتى لكأننا نسمع صريرها:
شاقتك ظُعْنُ الحي حين تَحمّلوا ... فتكنسوا قُطْنًا تَصِرُّ خِيامُها [3]
رحلة الشاعر:
تلك كانت رحلة الظعائن، أمّا رحلة الشاعر فقد كان يتخذها لأغراض متباينة شتى، سواء أكانت حقيقية، أم وهمية ليّسري بها عن همومه، أم أنها أصبحت تقليدًا فنيًا، لينفذ من خلالها إلى ما يصبو إليه، لتكون ميدانًا واسعًا لتشكيل لوحات تنفتح على الغرض الرئيس.
والميدان الرحب للرحلة هو الصحراء المترامية على امتداد الأفق برمالها، وحرها، وبردها ونهارها، وليلها، بمخاوفها الكثيرة [4] .
(1) ديوانه: ق 10/ 31.
(2) ديوانه: ق 1/ 6-7. دَد: اسم موضع، عدوليّة: قرية بالبحرين، ابن يامن: مَلاّح. يجورُيِها. يعدل بها مرّة ويميلُ ومرّة يهتدي ويمضي للقَصْد. الحيزوم: الصدر، المفائل: الذي يلعب لعبة الصبيان العرب.
(3) لبيد: ق 48/ 300.
(4) امرؤ القيس: ق 4/ 63، عبيد بن الأبرص: ق 8/ 26.