فهرس الكتاب
وصوَّر الشعراء الصحراء في رحلاتهم المختلفة، فنجد الصورة السمعية في مفازة واسعة، والريح تسحب التراب، وتجمع بعضه على بعض، وصوت الصدى يجاوب البوم.
وموماةٍ عليها نسجُ ريحٍ ... يجاوبُ بُومَها فيها صَداها [1]
وقد سمع الشعراء صياح البوم وضرب النواقس [2] كما تعاوروا على إبراز عزف الجِن في الصحراء [3] واستبدلوا الزَجَل في أحايين أُخر بالعزيف [4] وذكروا صرير الجندب [5] وعواء الذئب [6] والنطق بالهول [7] .
وتنفتح الرحلة على مدارٍ واسع في الحياة، يتهيأ الشاعر فيها لاستيعاب الأحداث المختلفة، وتطوراتها عبر صيغة متجددة لاستقبال الزخم النفسي، مِمّا يتيح للشاعر من خلال التخيّل فرصة انتقال تفاصيل الحدث إلى الواقع، بغية الانفتاح على الغرض الأساس، متضمنة تلك اللوحة رموزًا مختلفة، يتوسل بها الشاعر لغرض يتوخاه بما ينسجم والحدث.
وإن الحديث عن الحيوانات التي تشكل اللوحات المختلفة من خلال الرحلة عبر الصورة العامة، يتيح للشاعر الجاهلي أن يقف في رحبة التصوير الدقيق، متأملًا في الحياة معبّرًا عمّا تتطلبه المواقف المختلفة من تعبير، مجسّدًا هواجسه، وما يعتريه من إحساس ورغبة عبر الصراع الذي ينسجه للصورة بعامة، والسمعية منها بخاصة، مستعينًا بخبرته، وملاحظته الدقيقة لأحوال الحيوانات، تخدمه في ذلك الطبيعة الصحراوية التي عاش فيها، وألفها، وتنقل فيها.
(1) بشر بن أبي خازم: ق 46/ 221. موماة: مفازة، الصدى: الذكر من البوم، الأعشى: ق 8/ 40/ 73.
(2) المرقش الأكبر: ق 3/ 876، الأعشى: ق 8/ 40/ 73، ق 13/ 103.
(3) بشر بن أبي خازم: ق 41/ 9/ 203، المثقب العبدي: 8، زهير بن أبي سلمى: ق 25/ 212- 213، الأعشى: ق 4/ 15/ 37، ق 39/ 10/ 251.
(4) الأعشى: ق 6/ 31/ 59، ق 25/ 1/ 271.
(5) بشر بن أبي خازم: ق7/ 16/ 38، الأعشى: ق 12/ 31/ 97، أبو زبيد الطائي: ق 9/ 54.
(6) النابغة الذبياني: 149.
(7) الأعشى: ق 21/ 13/ 163.