فهرس الكتاب
إن الثور الوحش بما يحيط به قد غطّى على بقرة الوحش، وبالرغم من ذلك فإن الصور السمعية في الشعر الدائر حولها تكاد تكون معدومة لولا القصة التي أوردها بقرة ضاع منها ولدها، فهي تبحث عنه دائرة صائحة سبعة أيام حتى جف ضرعها إضرابًا عن الأكل، وحزنًا وألمًا على فراقه، ويشتد الصراع حين تسمع صوت الصياد الخفي، وتؤثر البقرة الحياة، وتنتصر على الكِلاب بعد أن آلمتها الحيرة بين الأمومة والحياة [1] .
والتجأ الشاعر الجاهلي إلى حمار الوحش، مشبّهًا به ناقته، لنشاطه وسرعته، ولإبراز الهدف الذي يروم التعبير عنه من خلال تشكيل الصورة.
وقد اعتنى الشعراء بحمار الوحش، وراحوا يقصّون علينا أحداثًا مختلفة عنه، بدءًا من بحثه عن الماء، وتذكره موردًا يستطيع ارتياده، إلى الأصوات المختلفة التي يطلقها مناديًا أتنه، إلى وجود خطر الصياد الذي يهدد حياته واتنه، إلى نجاته.
وما يهمنا هنا هو الصورة السمعية التي حاول الشعراء إيصالها إلى أسماعنا، للتعبير عن حالة حمار الوحش التي يروم من خلالها الشاعر التعبير عن الهموم العامة.
فهو يغرّد، أي يصيح ويصوّت في الغسق:
يُغرّدُ بالأسحار في كلِ سُدْفةٍ ... تَغَرُدَ مَيّاحِ الندامى المُطَرُب [2]
وفضلًا عن التغريد فهو في صوته كأنه صوت إنسان يدعو صاحبه ويناديه [3] وحين يدعو الأتن لشرب الماء يرن (ينهق) وهو صوت الشهيق:
أرنَّ عليها قاربًا وانتحتْ له ... طَوالةٌ أرساغ الدين نَحوصُ [4]
(1) لبيد بن ربيعة: ق 48/ 37- 48/ 308- 311.
(2) امرؤ القيس: ق 3/ 45.
(3) زهير بن أبي سلمى: ق 11/ 25- 27/ 132- 133، الشماخ: ق 15/ 22/ 228.
(4) امرؤ القيس: ق 31/ 182، ق 6/ 79. قاربا: طالبًا للماء. الطوالة: الأتان الطويلة الأرساغ. النحوص من الأتن: التي لم تحمل. انظر عمرو بن قميئة: ق 13/ 21/ 65، الشماخ: ق 6/ 16/ 155.