تأملت مرّة، إحدى لوحاتي الأخيرة، وحين سألتها عن رأيها فيها لم تجب. وفي صباح اليوم التالي وجدتها عابسة، مقطّبة. وضعت أمامي فنجان القهوة وانسحبت إلى غرفتها. وحين عدتُ من عملي بعد الظهر، وسألتها عما في الأمر أجابت باكية:
ـ أليستْ صاحبة اللوحة صديقتك التي رأيناها في المطعم العام الماضي؟
قلتُ لها: ولكن هذه اللوحة عن أيام زنوبيا ملكة تدمر!
أجابت بحقد: وما الفرق؟ إنها تسكن تلافيف دماغك!
وحدثتها، ذات يوم، عن صديق يعمل في الطب النفسي عالج امرأة منحرفة قادمة من إحدى الدول العربية. وبعد يومين أو ثلاثة فاجأتني بقولها:
ـ لماذا تحدثني عن تلك المرأة الشاذة؟ أتقارنني بها؟
وصمتت قليلًا ثم تابعت:
ـ بربك! ألم تحضر لزيارتك في المعرض الذي أقمته الأسبوع الماضي، وعالجتها أنت لا صديقك كما زعمت؟!
واستسلمت لحردها.
وأيقظتني من نومي، ذات ليلة، وصرخت في وجهي:
ـ من هي التي تحلم بها. اعترف.. سمعتك وأنت تقول لها: تعالي!
وفاجأتني صباح يوم باكر، وهي تهزّني بيديها:
ـ لا تنكر.. لقد رأيتكما في المنام، أنت وهي. قل لي من تكون؟
وهمست في أذني، وهي تستقبلني، بعد عودتي من جولة قصيرة في أوروبة، وكنّا في طريق العودة من المطار:
ـ ما رأيك أن تجري فحصًا للآيدز؟!
هذا غيض من فيض. والمشكلة أنني أفاجأ في كلّ مرة، على الرغم من كل الاحتياطات التي تجنبني الثورة. وأجد نفسي، في كل مرة، وقد أعماني غضب جارف، لا يقف عند حدّ. وأيقنتُ أنني هالك لا محالة، فاتخذت سلسلة من الإجراءات:
أصبحتُ أتجاهل من أراه، في الطريق أو في الأماكن العامة، من النساء اللواتي أعرفهن.
أصبحت أتغيّب عن المحاضرات أو المعارض أو الأمسيات التي تقدمها كاتبات أو فنّانات.
غيبّتُ عن مكتبتي كلّ المؤلفات التي تحمل أسماء نساء.
أصبحت لا أرى من النشرات الأخبار إلا لمذيعين. ومن باب الاحتياط أختارهم مذيعين بشوارب!
أصبحت أتحاشى رؤية المسلسلات التي تمثلها بطلة جميلة جدًا أو حتى جميلة.
اختفت من لوحاتي النساء، واقتصرت على الرجال.
اختفى من كلامي كل الأسماء التي فيها تاء التأنيث، فلم أعد أقول: «أريد تفاحة» ) أو «برتقالة» ، بل أقول: أريد «تفاحًا» و «برتقالًا» .
أصبحت أصرّح أنني أحب الليل والقمر والبحر، ويغيب من تصريحاتي أنني أحب الشمس والشجرة والزهرة!
وأخيرًا صمتُّ عن كل شيء: لم أعد أقصّ حكايات أو فكاهات أو أخبارًا . حلّ بي صمت يائس. واعتقدت أن الأمر انتهى عند هذا الحد.