فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 68

إنها تراقب ثيابي وأشيائي: تفتّشها، تقلبها، تشمّها، لعلّ شبهة نسائية تطلّ منها. ولا يمضي أسبوع دون أن تراجع، في دفتري الصغير، الأسماء والعناوين وأرقام الهواتف. والويل إن عثرتْ على رقم أمرأة بينها. إذ تتحوّل إلى مفرزة تحقيق كاملة، تطرح ما يخطر على البال، وما لا يخطر، من الأسئلة، وهي تحدّق في وجهي لترى صدق أقوالي. وإذا انتهى الأمر بسلام صرخت فجأة، وكأنها فطنت إلى أمر غاب عنها: وما أدراني أن فوزي هو فوزية، وعلي هو علياء، وخالد هو خلود؟!

فلا يكون منّي إلا أن أقول في استسلام:

ـ حاولي.. تكلّمي معهم إن لم تصدّقي.

ولا يكون منها إلا أن تبتعد عني وتقول مهددّة:

ـ سأعثر عليها.. مفكّرتك السرّية.. لا بد.

تصور..! إذا التقينا، في الطريق، صديقة قديمة، تعرّفت إليها من خلال ظروف عملي، وسلّمتُ عليها، وقدّمتها إلى زوجتي، ووقفنا دقيقة أو دقيقتين، فإنها تمطرني، بعد ذهابها، بوابل من الأسئلة: من هي؟ متى عرفتها؟ أين وكم مرة خرجت معها؟ هل بينك وبينها «إنّ» ؟ و «إنّ» في قاموسها: علاقة. وتبقى حردة أسبوعًا كاملًا.

ذات مرّة تركتني واقفًا مع إحداهن، وانسحبت عنا دون أن أنتبه وحين بحثتُ عنها لم أجدها. واكتشفت، بعد عودتي إلى البيت، أنها ركبت « تاكسي» وسبقتني.

فاجأتني مرّة وأنا أرى نشرة الأخبار في التلفزيون:

-تريد الأخبار أم هذه المذيعة الوقحة؟ أنت معجب بها. قل لي: من عرّفك عليها، وأين تراها فرس النهر هذه؟ أنتم الرجال بلا عقول. يكفي أن تبتسم واحدة في وجوهكم لتتبعوها. لو غسلت فرس النهر وجهها لتساقطت الأصباغ والدهون. يجب أن تروها حين تستيقظ من نومها، لتروا وجهها الحقيقي.. هذه، كيف أصبحت مذيعة بربك؟ ألم تسمع كيف تلوك الحروف لوكًا كالجمل؟ بس أريد أن أعرف ما الذي يعجبك فيها؟

فاجأتني، مرّة أخرى، أقرأ رواية لمؤلفة محلية شابة، وعلى الغلاف صورتها. صارت تقلّب الأوراق بحثًا عن كلمة إهداء فيها. ولمّا لم تجد قذفتني:

ـ تدفع نقودك لهذه السفاسف؟ وماذا ستكتب هذه الجرباء سوى عن عشاقها، وربما تكون أنت واحدًا منهم؟ هل هي عبقرية زمانها؟ يقال إن أحد الشعراء يكتب لها. وهذه الصورة التي تحدّقُ فيها قديمة ، مضى عليها أكثر من عشر سنوات!

واختفى الكتاب إلى الأبد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت