فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 68

وتتابعت الأسئلة والأجوبة، بدا الأمر في البداية نوعًا من المزاح والتسلية، لكن سرعان مادخل الجميع في طقوس اللعبة، وغادرهم ماكانوا يحملونه من خوف وحذر وخجل و أقنعة، وقرروا أن يلعبوا هذه اللعبة حتى نهايتها، وليكن مايكون.

لم يتركوا زاوية من حياة رفاه إلا خاضوا فيها: طفولتها، ذكرياتها، ماتحب وماتكره، قراءاتها، آراءها فيمن حولها، أحلامها. وحين وصلوا إلى علاقتها بخطيبها كانت رفاه قد أوغلت في اللعبة وقررت أن تقول كل شيء.

الآن وبعد أن انتهى هذا اللقاء العاصف، هذا الحلم الغريب، تدرك رفاه كثيرًا مالم تكن تدركه من قبل: أثر طفولتها المبكرة على شخصيتها وسلوكها، النزهات القصيرة في القرى والبراري القريبة، الأزهار والنباتات البرية التي كانت تقطفها لتزين بها غرفتها وغرفة أختيها، والألوان والروائح والطعوم، الأسماء الغريبة لأماكن لم تعرفها، الصمت الذي كان يلفّ «مشاويرهم» ، الحاجز الذي يفصلها عن أمها وأبيها، الكتب التي كانت تقرؤها، الصور التي كانت تحتفظ بها سرًا، الموسيقا والأغاني التي تحبها، برامج الإذاعة والتلفزيون التي تفضّلها، وجوه الزوار التي تحبها او تنفر منها، ألوان الحرمان التي عانتها في مأكلها وملبسها ومسكنها.

تدرك الآن أن هذا الحاجز الذي يفصلها عن خطيبها جمال، وعدم قدرتها على الرد على أسئلته، أو عدم مبادرتها بالحديث إليه أو عجزها عن مجاراته في سرد مشاهداتها اليومية، أو في رواية طرائف كما يفعل هو، وسلبيتها التي يتذمر منها على الدوام. تدرك الآن أن كلّ هذا ليس بسبب خجلها وانطوائيتها، كما كانت تتهم نفسها، وليس لنقص في شخصيتها وعدم ثقة في نفسها، كما كانت تعتقد، وليس في غبائها وثقل دمها كما كانت تتوهم. بل الأمر بكل بساطة أنها لاتحبه، ولم يكن في أي يوم من الأيام، فتى أحلامها الذي ترقبت مقدمه. تدرك الآن أن قلبها لم يخفق له حين جاء لخطبتها مع أهله، مع أنه وسيم وأنيق وجريء. تدرك الآن أنها قبلت به لأنه سيحقق لها كثيرًا مما كانت محرومة منه: حريتها واستقلالها، الثياب الجميلة الرائعة التي تراها في الواجهات الأنيقة، المجوهرات والحلي، السيارة الفارهة التي ستحملها إلى كل مكان، الرحلات الطويلة والبعيدة التي كانت تحلم بها. تدرك الآن، الآن فحسب الحقيقة العارية، أنها أوهمت نفسها بحبه لتخفي رغباتها الدفينة في الثراء والجاه والرفاه، والتي كانت تخجل من مجرد التفكير فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت