فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 80

الذي يبدو أنه فيما يتعلق بأقوال السلف في عهد الصحابة والتابعين ـ في الجملة ـ ليس اختلاف تبيان وتضاد، وإنما هو من التفسير بالجزء، أي: بجزء المعنى المهم، لأن الأمراء في ذلك الوقت كانوا علماء، والعلماء كانوا مع الأمراء، وهم أهل الحل والعقد، وقد يحصل بينهم شيء من الاختلاف في بعض الأمور الاجتهادية، إما أن يتفقوا بعد المناظرة والمجادلة، وإما أن يظهر للأمير وجه الصواب فيأخذ به، لأنه أحد المجتهدين الذين لهم حق البحث والنظر والأخذ بما ظهر لهم من الحق، وكان العلماء لا يقفون ـ بعد اتخاذ الأمير القرار على هذه الصفة ـ ضد قرار الأمراء في تلك الأمور الاجتهادية، كما قال ابن تيمية رحمه الله: وإن كان ـ أي التشاور ـ أمرًا قد تنازع فيه المسلمون، فينبغي أن يستخرج من كل منهم رأيه ووجه رأيه، فأي الآراء كان أشبه بكتاب الله وسنة رسوله، عمل به.

كما قال تعالى: (( فإن تنازعتهم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خيرٌ وأحسن تأويلًا ) ) [مجموع الفتاوى (28ـ387ـ388) . والآية في سورة النساء: 59] .

فالظاهر في هذه الحالة ـ أي عندما يتولى أمر المسلمين إمام عالم عادل توافرت فيه شروط الإمامة ـ أنه لا منافاة بين الأمر بطاعة الأمير والأمر بطاعة العالم، فهو أمير عالم عادل، يستشير العلماء ويذاكرهم في الأمور الاجتهادية ويختار ما هو الأحوط لرعيته.

وإنما يحصل الخلاف بين طاعة العلماء وطاعة الأمراء، في حالتين فيما يبدو:

الحالة الأولى: أن يكون جاهلًا غير عالم فلا يجوز له أن يأمر بشئ، إلا بعد سؤال العلماء، لأن ذلك متعين عليه كما تقدم في كلام ابن العربي رحمه الله:"والأمر كله يرجع إلى العلماء، لأن الأمر قد أفضى إلى الجهال وتعين عليهم سؤال العلماء".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت