فهرس الكتاب
ولهذا قال الإمام الشافعي، رحمه الله:"لا يقيم الحدود على الأحرار إلا الإمام ومن فوض إليه الإمام، لأنه لم يقم حد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بإذنه، ولا في أيام الخلفاء إلا بإذنهم، لأنه حق الله تعالى يفتقر إلى الاجتهاد، ولا يؤمن في استيفائه من الحيف" [سبق في أول هذا المبحث] .
وقال الكاساني، رحمه الله:"وبيان ذلك أن ولاية إقامة الحد إنما تثبت للإمام لمصلحة العباد، وهي صيانة أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، والمولى لا يساوي الإمام في هذا المعنى، لأن ذلك يقف على الإمامة، والإمام قادر على الإقامة، لشوكته ومنعته وانقياد الرعية له قهرًا وجبرًا، ولا يخاف تبعة الجناة وأتباعهم لانعدام المعارضة بينهم وبين الإمام، وتهمة الميل والمحاباة والتواني عن الإقامة منتفية في حقه، فيقيم على وجهها، فيحصل الغرض المشروع له الولاية بيقين" [بدائع الصنائع في تنفيذ الشرائع (9/4204) ] .
الأمر الثامن: ما رواه النزال بن سبرة، قال: كتب عمر إلى أمراء الأجناد أن لا يقتل نفس دوني" [مصنف ابن أبي شيبة (9/416) ] ."
المبحث الثاني: رأي من يقول بجواز إقامة الحدود من دون السلطان
لقد بحثت جهدي فيما قرأت من الكتب في هذا الباب:
كتب التفسير وكتب الحديث والأثر، وكتب الفقه لمعرفة من يرى جواز إقامة الحدود لغير السلطان بدون إذنه، فلم أجد إلا ما ذكر الإمام النووي، رحمه الله عن عالمين من علماء الشافعية أنهما يريان جواز استيفاء ولي الدم القصاص من القاتل استقلالًا.
قال رحمه الله:
"ليس لمستحق القصاص استيفاؤه إلا بإذن الإمام أو نائبه، وعن أبي إسحاق، ومنصور التميمي أن المستحق يستقل بالاستيفاء، كالأخذ بالشفعة وسائر الحقوق، والصحيح المنصوص الأول، وسواء فيه قصاص النفس والطرف، وإذا استقل به عزر" [روضة الطالبين (9/221) ] .