فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 50

... وقد أمتنع الرسول صلى الله عليه وسلم - عن هدم الكعبة ثم بنائها حتى لا تظن قريش أنه بناها لينفرد بالفخر عليهم ، فترك المصلحة خوفًا من الوقوع في المفسدة ، وأعتبر حديثة ، هذا من أعمدة أدلة الموازنة بين المصالح، وأستنبط منها البخاري مفهوم ربانية التعليم ، ولا بد من ضرورة منع بعض العلم خوفًا من الوقوع بما هو أشد لقصور الفهم عن ذلك.

... فترجم البخاري لحديث ( عدم هدم الكعبة ثم بنائها ) بقوله:

( باب: من ترك بعض الاختيار مخافة أو يقصر فهم بعض الناس عنه، فيقعوا في أشد منه ) . (1)

عدم إضاعة العلم

... إذ أن كل فن له أوائل تقود إلى أواخره، ولهذا فلا بد من أخذ الأوائل قبل الأواخر ، والفروع قبل الوصول، وذلك في العلم الواحد، والفن الواحد، إذا ما كانت كل الفروع والأصول على مستوى واحد من صعوبة الفهم، وعلى درجة واحدة من الأهمية، أما عكس العملية فيقود إلى إضاعة العلم.

... ( ... وأعلم أن للعلوم أوائل تؤدي إلى أؤاخرها ، ومداخل تقضي إلى حقائقها ، فليبتدئ طالب العلم بأوائلها ، لينتهي إلى أواخرها ، وبمداخلها ليفضي إلى حقائقها ، ولا يطلب الآخر قبل الأول ، ولا الحقيقة قبل المدخل، فلا يدرك الآخر، ولا يعرف الحقيقة، لأن البناء على غير أسس لا يبنى، والثمر من غير غرس لا يجنى) (2) .

... أما إذ كانت الأصول أهم من الفروع فالابتداء ، بها أولى ، كأمور العقيدة وصفات الخالق وأسمائه ، فهي أولى من أدراك مسائل الفقه وأمور الخلاف، وكذلك إذا كان أصول فنٍ ما أسهل من فروعه، فالابتداء ، بها أجدى وأنفع ثم ينتقل إلى التفصيلات الأصعب بعد ذلك.

... وبذلك يتحول - في بعض الأحوال - إلى ضرورة الأخذ بالأصول قبل الفروع ، وفي كل من الحالتين يكون الاستبدال إضاعة العلم ، وتجاوزًا لمفهوم الربانية ، وسيأتي مزيد من إيضاح لذلك.

عدم التنفير من العلم والتخبط

(1) - فتح الباري 1/224.

(2) - أدب الدنيا والدين للمارودي/55.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت