فهرس الكتاب
... وداعية أخر أطال استمتاعه بجدول الألوان وما ينسجم منها وما يتنافر، ومرت عينه على موازين الجمال الفني: هو داعية أسرع إحاطة بما في النتائج الفقهية من منطق متجانس صحيح.
... وهل إيحاء معنى التكامل والتصاعد أقل منه لدى دارس الكيمياء الذي يحيط علمًا بالجدول الدوري للعناصر ، ويعرف خبر ما يفعله كل بروتون يضاف لنواة الذرة من خصائص جديدة ؟
... وهذه أمثلة فحسب لما عسى أن يسببه التفاعل الحضاري وتناول العلوم التطبيقية والفنون من توسيع للآفاق وتفتيح للأذهان يسهل معهما التفهيم الفقهيء، والداعية اليوم أن لم يكن جامعيا فهو مشاهد للتلفزيون ، قارئ للصحف ، وحائز من مطالعاته ومشاهداته لنصف العلم، ثم هو سائح في مدن وطنه أو مدن العالم يرى نتاج المهندسين والفنانين مع كل نظرة وإن لم تكن عامدة فتنطبع في لا شعوره الموازين والظواهر الحيوية الممهدة لاستقرار الموازين الشرعية.
الجمال .. وغرام العقل
... وأما من لا يحيا حياة العلوم وانعزل في قرية بين الخضرة والجبال والطير فليس هو بأقل من صاحب التفاعل الحضاري ، فإن هذا ترق أحاسيسه ويحدث له ما يحدث للشعراء من إرهاف والتذاذ بالجمال ، فتزكو نفسه، وتتزن وتطمئن ، حتى تكون سكينتها هي الممهدة لقواعد الفقه الكبيرة ، وله مع لون وشكل كل وردة خلقها الله تعالى وتلمسها أناملها وتقبلها شفته وينطبع خيالها في شغاف قلبه: عقليه أخرى لميزان من موازين الفقه، وإطلالة عن الاجتهاد.
... لكن المحروم هو من حرم هذا وهذا ، فعاش في عزلة عن الحضارة المدنية ، وعن آيات الله في الآفاق، وهو من سجن نفسه بين الجدران حتى يخشوشن طبعه ويتبلد علقه، أو حبسه أستاذه في مدرسته وجعل له من وظيفة حفظ الحواشي ما يطيل معه حتى ظهره ، ولمثل هذا كانت وصايا تدريس علم الجزئيات قبل الكليات.
قلوب أمم