غير أنَّ ظاهر الحديث لا دليل فيه على أن نهي الرجال عن التصفيق يسوي في الحكم بين كونه داخل الصلاة أو خارجها، وإن كان ذلك محتملًا، والقاعدة تقول: إذا وقع الاحتمال بطل الاستدلال. بل الظاهر أن الترخيص في التصفيق للنساء مقتصر على كونهن في الصلاة إذا نابهن فيها شيء، أما خارج الصلاة فهن والرجال في الحكم سواء، والنهي عن التصفيق خارجها يحتاج إلى دليل خاص. أما مَن عدَّ التصفيق تشبهًا بالمشركين في صلاتهم عند البيت العتيق فقد استند في حكمه إلى قوله تعالى: (وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً و َتَصْدِيَةً) [الأنفال:35] . والمشهور عند أهل التفسير أن المراد بالمكاء هو التصفير، والمراد بالتصدية هو التصفيق، وأصله في اللغة كما قال الإمام الطبري في تفسيره من مَكَا يَمْكُو مَكْوًا وَمُكَاء, وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْمَكْو: أَنْ يَجْمَع الرَّجُل يَدَيْهِ ثُمَّ يُدْخِلهُمَا فِي فِيهِ ثُمَّ يَصِيح، وهذا هو الصفير، وَأَمَّا التَّصْدِيَة فَإِنَّهَا التَّصْفِيق، يُقَال مِنْهُ: صَدَّى يُصَدِّي تَصْدِيَة، وَصَفَّقَ وَ صَفَّحَ بِمَعْنىً وَاحِد. غير أن في النفس شيءٌ من اعتبار مطلق التصفيق تشبهًا بما يفعله المشركون أو كانوا يفعلونه في صلاتهم عند البيت، لأن التشبه لا بد فيه من النية، وفي الواقع صور من التصفيق تقع من أناسٍ لا عِلمَ لهم أصلًا بأن أهل الجاهلية كانوا يصفقون عند البيت، فكيف ننسبهم إلى التشبه بالمشركين مع أن ذلك لم يدُر في خَلَدهم قط !! وعليه فلا بد في هذا المقام من تقرير أن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، وحيث إنَّ صُوَرُ التصفيق تختلف باختلاف نية المصفقين و حالهم، فإن حكمه يختلف من حال إلى حال ، بحسب التفصيل التالي:
أولًا: اتخاذ التصفيق عبادة في ذاته، أو التصفيق أثناء عبادة مشروعة الأصل، حرامٌ مطلقًا، لما فيه من التشبه بالكفار في عبادتهم من جهة ، ولأنه بدعة محدثة من جهة أخرى .