... الوجه الثاني: أن الرخصة خاصة بالرعاء ، ويلحق بهم غيرهم من أهل الأعذار ، على القول بجواز القياس على الرخص (1) ، قال ابن قدامة: (( وأهل الأعذار من غير الرعاء ، كالمرضى ، ومن له مال يخاف ضياعه ، ونحوهم ، كالرعاء في ترك البيتوتة ؛ لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رخص لهؤلاء ؛ تنبيها على غيرهم ، أو نقول: نص عليه لمعنى وجد في غيرهم ، فوجب إلحاقه بهم ) ) (2) . ...
... ويبقى غير الرعاة على أصل الاتباع للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حجته ، ورميه كان بعد الزوال ، ولاينتقل عنه إلا بدليل منصوص ، أوبقياس صحيح كقياس أهل الأعذار على الرعاة ؛ لوجود المعنى فيهم ، ومن عداهم يبقى على الأصل وهو الرمي بعد الزوال .
... الوجه الثالث: أن الرخصة في التقديم تصير وقت أحدهما وقتا لهما معا ، في حق صاحب الرخصة دون من عداه ، ونظير ذلك في الصلوات ؛ فإن من كان من ذوي الأعذاء المبيحة لجمع الصلاتين ، فصلى الظهر والعصر في وقت الأولى جاز له ذلك ، ولا يدل ذلك على جواز تقديم العصر على وقتها لمن لم يكن من أهل الأعذار .
... الوجه الرابع: ذكر في هذا الحديث الرخصة للرعاة ، وهي تقابل العزيمة؛ فدل ذلك على أن الرمي بعد الزوال عزيمة في حق غير الرعاة ومن في حكمهم ؛ وإلا لم يكن للرخصة معنى ، فصار هذا الحديث صالحا لأن يكون حجة لمن منع الرمي قبل الزوال .
الخاتمة
... بعد ما تقدم من الدراسة ألخص أهم النتائج في الآتي:
( 1) الثابت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في رمي الجمار أيام التشريق إنما هو بعد زوال الشمس، وأجمع العلماء على أنه السنة.
(1) وهو مذهب الشافعية والحنابلة وقول للمالكية ، ومنعه الحنفية . انظر: المحصول ( 5 / 349 ) ، البحر المحيط ( 5 / 57 ) ، شرح تنقيح الفصول ( ص415 ) ، المسودة ( ص398 ) ،التمهيد للإسنوي ( ص463 ) ، نبراس العقول ( ص123 ) .
(2) المغني ( 5 / 379 ) .