و الثاني: ما نسب إلى الإمام أبي حنيفة من أن المرأة تقضي فيما تشهد فيه . و هذا النقل فيه اختلاف في ألفاظه ؛ مما يوهن من ضبط نقله ، ولا يصمد أمام الأدلة الشرعية المذكور ة آنفا ؛ فضلا عن أن يكون دليلا شرعيا أصلا . و هذا على افتراض صحة عزوه إلى أبي حنيفة ، و كذا الحال فيما نسب إلى الإمام الطبري و غيره ، و هو ما نفاه الإمامان أبو بكر بن العربي و أبو عبد الله القرطبي .
و بيان ذلك:
* قال القاضي ابن العربي في كتابه"أحكام القرآن":
( المسألة الثالثة: روي في الصحيح { عن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين بلغه أن كسرى لما مات ولى قومه بنته: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة } .
وهذا نص في أن المرأة لا تكون خليفة ، ولا خلاف فيه .
ونقل عن محمد بن جرير الطبري إمام الدين أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية ؛ ولم يصح ذلك عنه ؛ ولعله كما نقل عن أبي حنيفة أنها تقضي فيما تشهد فيه ، وليس بأن تكون قاضية على الإطلاق ، ولا بأن يكتب لها منشور بأن فلانة مقدمة على الحكم ، إلا في الدماء والنكاح ، وإنما ذلك كسبيل التحكيم أو الاستبانة في القضية الواحدة ، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: { لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة } .
وهذا هو الظن بأبي حنيفة وابن جرير .
وقد روي أن عمر قدم امرأة على حسبة السوق ، ولم يصح ؛ فلا تلتفتوا إليه ؛ فإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث ) . أهـ
و كذا ذكره القرطبي في تفسيره"الجامع لأحكام القرآن".
* و الاحتجاج بخبر ولاية صحابية حسبة السوق ليس حجة في جواز ولاية المرأة القضاء ؛ فضلا عن عدم صحته أصلا ؛ حيث أنكره أولادها .
و هذا الخبر ذكره ابن عبد البر و ابن حجر بصيغة التقليل ؛ فقالا في ترجمة الصحابية الشفاء: ( فربما ولاها شيئا من أمر السوق ) . يعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
و هذا لفظ ترجمة ابن عبد البر لها في كتابه"الإستيعاب في معرفة الأصحاب"؛ قال: