فهرس الكتاب
وكذلك آمن الفارابي بوحدة الحقيقة مما حدا به إلى التوفيق بي ن الحكيمين أفلاطون وأرسطو كخطوة أولى في سبيل التوفيق بين الوحي والعقل، على أساس أنّ كلا من النبي والفيلسوف يستمد الحقيقة من العقل الفعال واهب الصور، وأنّ الاختلاف بينهما إنّما هو اختلاف في طريقة الوصول، وكيفية عرض هذه الحقائق؛ ذلك أنّ النّبي بحكم ما عنده من قوة المخيلة يتصل اتصالًا مباشرًا بالعقل الفعال؛ فتفيض عليه الصور والحقائق بدون عناء، وتعرض هذه الحقائق في قالب مبسط ومشخص ً تقريبا للأذهان؛ لأنها موجهة إلى عامة الناس وجمهورهم في حين أن الفيلسوف بحكم ما عنده من القوة العاقلة، وبتدخل من العقل الفعال يدرك الحقائق في صورها. لذلك نجد عند الفارابي"أن النبي والفيلسوف يرتشفان من معين واحد ويستمدان علمهما من مصدر رفيع، والحقيقة النبوية و الحقيقة الفلسفية هما على السواء نتيجة من نتائج الوحي، وأثر من آثار الفيض الإلهي على الإنسان. (1) "
بل يذهب الفارابي إلى أبعد من ذلك حين يقدر أن موضوعات الدين وموضوعات الفلسفة واحدة، يقول في كتابه )تحصيل السعادة (فالملة محاكية للفلسفة...وهما تشتملان على موضوعات بأعيانها، وكلاهما تعطي المبادئ القصوى للموجودات، وتعطيان الغاية القصوى التي لأجلها كون الإنسان، وهي السعادة القصوى، والغاية القصوى، وكل ما بين الدين والفلسفة من فرق عند الفارابي هو أن الفلسفة تعطينا الأدلة والبراهين العقلية والدين يعطينا الأدلة والبراهين الإقناعية.(2)
(1) - في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه:د.إبراهيم مدكور.96 /1
(2) - كتاب تحصيل السعادة: الفارابي ص 41-40، طبعة مصرية.