فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 19

وعرفه ابن بركة من الإباضية بالمثال, فقال: «ومعنى الغرر الذي نهى عنه صلى الله عليه وسلم: بيع الطير في الهواء، وبيع السمك في الماء، والعبد الآبق، والحمل في بطن أمه، واللبن في ضرع الشاة، والجزر والبصل في الأرض ونحو ذلك» [1] , وعرفه أيضًا بأنه المخاطرة [2] .

أقول: يتضح مما تقدم في تعريف الغرر أن تعريفات الفقهاء له متقاربة في المعنى, وإن اختلفت ألفاظها, فكل التعريفات اتفقت على الخطر فيه للجهالة بعاقبته. إلا أن هناك ملاحظة على تعريف ابن حزم الظاهري.

فابن حزم قد قصر الغرر على الجهل بمقدار المبيع وصفاته حين العقد, ولم يعتبر عدم القدرة على التسليم غررًا، ومن ثم فإنه أجاز بيع العبد الآبق, والحيوان الشارد، والطير المتفلت وغيره إذا صح الملك عليه قبل ذلك [3] .

ثانيًا: أسباب الغرر في البيع:

إن المتتبع لمواطن الغرر في الفقه الإسلامي يجد أن سببه في البيع راجع إلى الجهل بالمعقود عليه من وجه أو أكثر. وقد بين ذلك أكثر من فقيه. يقول ابن رشد الحفيد: «الغرر يوجد في المبيعات من جهة الجهل على أوجه: إما من جهة الجهل بتعيين المعقود عليه، أو تعيين العقد، أو من جهة الجهل بوصف الثمن والمثمن المبيع، أو بقدره، أو بأجله إن كان هناك أجل، وإما من جهة الجهل بوجوده، أو تعذر القدرة عليه، وهذا راجع إلى تعذر التسليم، وإما من جهة الجهل بسلامته أعني بقاءه [4] . وههنا بيوع تجمع أكثر هذه أو بعضها» , وقد نبه ابن رشد على أن البيوع المذكورة منها ما هو منطوق بها، يعني نطقت بها الأحاديث كالملامسة، والمنابذة، وكبيع الثمار قبل بدء صلاحها. ومنها بيوع مسكوت عنها. يقول ابن رشد: «ومن البيوع التي توجد فيها هذه الضروب من الغرر بيوع منطوق بها، وبيوع مسكوت عنها، والمنطوق به أكثره متفق عليه، وإنما يختلف في شرح أسمائها [5] , والمسكوت عنه مختلف فيه. فأما المنطوق به في الشرع, فمنه نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يخلق، وعن بيع الثمار حتى تزهو ... » [6] .

ثالثًا: الفرق بين الغرر، وبين الغرور، والمجهول:

(أ) الفرق بين الغرر، والغرور:

تقدم معنى الغرر عند الفقهاء. وتبين لنا أنه ما يكون مجهول العاقبة لا يدري أيكون أم لا. وأن سببه في البيوعات راجع إلى الجهل بالوجود, أو الصفة، أو المقدار، أو تعذر التسليم إلى آخر ما ذكرناه عن ابن رشد. أما الغرور: فهو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى, ويميل إليه في الطبع [7] .

(1) الجامع لابن بركة، جـ2، ص324.

(2) المرجع السابق، ص386.

(3) المحلى، جـ7، ص283، مسألة 1423. عرف مكان العبد والحيوان أو لم يعرف.

(4) وعبارة البعض «تعذر إبقائه: مثل أن يبيع ما تركه حيًّا وقد أكل حلقه ذئب لعله مات قبل بيعه، ولعله مات بعده قبل توصل المشتري إليه. انظر: الشيخ محمد أطفيش من الإباضية في شرح النيل، جـ8، ص95. وهو من الإباضية المغاربة هو والشيخ عامر الشماضي صاحب كتاب الإيضاح. وإباضية المغاربة كالجزائر تأثروا «بقومهم» كما هو تعبيرهم عن المقيم معهم, وليس على مذهبهم -من السادة المالكية في المنهج. ويمكنك أن تلاحظ ذلك بسهولة ويسر, فالنص الذي ذكرناه هنا عن ابن رشد. نقله أطفيش كما هو, وكذلك الشماخي. انظر: شرح النيل، جـ8، ص94، 95. الإيضاح، جـ5، ص59، وما بعدها. نتائج الأقوال، جـ2، ص53.

(5) كالاختلاف في معنى حبل الحبلة وغيرها من الأسماء. نيل الأوطار، جـ6، ص231. شرح مسلم للنووي، جـ10، ص158.

(6) بداية المجتهد، جـ2، ص224. وانظر القوانين الفقهية، ص220، 221. إدرار الشروق، جـ3، ص271، 272.

(7) التعريفات للجرجاني، ص69، باب الغين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت