فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 19

والغرر، والغرور معناهما متحد في اللغة. «والغرر: الخطر، وغرته الدنيا غرورًا: خدعته بزينتها» [1] . وقال القاضي عياض: «وقد يكون من الغرارة، وهي الخديعة» [2] . وهما وإن اتحدا لغة، إلا أنهما مختلفان عند الفقهاء. وبيان ذلك أن الفقهاء قد خصوا بيع الغرر بما جهل وجودًا وصفة أو مقداره, أو تعذر تسليمه كبيع المعدوم، وبيع ما لا يعلم جنسه ولا نوعه، وبيع مجهول المقدار، أو متعذر التسليم, فهذه البياعات تسمى بيع غرر للجهل المذكور، ولا تسمى بيوع غش وخديعة؛ لأن الغش يكون المبيع فيه حاضرًا ومعلوم القدر والصفة, ومقدور التسليم, لكن وجد فيه خديعة بإخفاء العيب, وإظهار الحسن. ففي الحديث الصحيح الذي رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي عن أبي هريرة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل يبيع طعامًا, فأدخل يده فيه فإذ هو مبلول. فقال: من غشنا فليس منا» [3] .

ولفظ مسلم: «فليس مني» ومعناه كما يقول النووي: ليس ممن اهتدى بهديي، واقتدى بعلمي وعملي وحسن طريقتي, كما يقول الرجل لولده إذا لم يرض فعله: لست مني، وهكذا في نظائره مثل قوله: «من حمل علينا السلاح فليس منا» [4] . وقال أطفيش: ليس من أهل وفاء ديننا وملتنا، وليس خلقه وأفعاله من أخلاقنا وأفعالنا [5] . إلا أن سفيان بن عيينة كان يكره مثل هذه التفسيرات, ويقول: «بئس مثل القول، بل يمسك عن تأويله ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر» . والحديث يدل على تحريم الغش, وهو مجمع على ذلك [6] .

ووجه الدلالة من الحديث: أن هذا الذي حدث من البائع يسمى غرورًا وخديعة ولا يسمى غررًا، وكذلك بيع الغش لا يسمى بيع غرر [7] .

ويرى أطفيش «أن الغش والغرر والخديعة والتدليس متقاربة المعنى, وإنما يكون الغرر للجهل إما بصفة ثمن, أو صفة مثمن, أو بقدر واحدة منهما، أو أجله إن أجل, أو بوجوده, أو لتعذر القدرة عليه, أو تعذر إبقائه .. » [8] . أقول: وهذا لا يختلف عما قدمناه.

وقد فرق الكاساني أيضًا بين الغرر والغرور عند استدلال الشافعي على أن كون المبيع معلوم الذات والصفة من شرائط الصحة بحديث النهي عن بيع الغرر، وأن الغرر هو: الخطر. قال الكاساني معترضًا: وأما الحديث فيحتمل أن يكون الغرر هو الخطر. ويحتمل أن يكون الغرور, فلا يكون حجة مع الاحتمال ... [9] .

(1) المصباح المنير، جـ2، ص544.

(2) الفروق، جـ3، ص266. إدرار الشروق، جـ3، ص270.

(3) منتقى الأخبار بشرحه نيل الأوطار، جـ6، ص303.

(4) نيل الأوطار السابق، ص304.

(5) شرح النيل، جـ8، ص95.

(6) نيل الأوطار، جـ6، ص304. واعترض ابن بركة الإباضي أيضًا على بعض التأويلات, فالقول «بأنه ليس من أهل ديننا» يرده أنه لا يخرج بالغش عن الدين إلى الشرك. والقول: «بأنه ليس من أهل ملتنا» يرد بذلك أيضًا. والقول: «بأنه ليس من أخلاقنا ولا من فعلنا» يرده أن الغش لا يكون من الأخلاق والأفعال فضلًا عن أن يشتغل بنفيه عنها. والقول: «بأنه ليس مجيبًا لنا» يرده أنه قد أجاب إلى الإسلام.

وقيل: ليس متبعًا لنا، كقوله تعالى حكاية: (فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي) سورة إبراهيم: الآية 36. وقيل: ليس بولي لنا. قال أطفيش: وهذا القول الأخير هو الحق، وما عداه من الأقوال لم يحسن قائلها التعبير إذ عبر بما يوهم خلاف الحق من التفسير، وإلا فالظاهر أن مراد تلك الأقوال: «أنه ليس من أهل وفاء ديننا وملتنا، وليس خلقه وأفعاله من أخلاقنا وأفعالنا, وليس مجيبًا لنا في الوفاء بالدين» , وذلك كله هو معنى القول الأخير. شرح النيل، جـ8، ص94، 95.

(7) لاحظ أ. د. رمضان حافظ عبد الرحمن في بحثه «نظرية الغرر في عقد البيع» ، ص39، 40، بمجلة كلية الشريعة والقانون بالقاهرة، العدد الثالث، 1408 هـ/ 1988م.

(8) شرح النيل، جـ8، ص95.

(9) بدائع الصنائع، جـ5، ص163.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت