(ب) الفرق بين الغرر والمجهول:
العلماء قد يتوسعون في الغرر والمجهول, فيستعملون أحدهما موضع الآخر.
وأصل الغرر هو الذي لا يدرى هل يحصل أم لا؛ كالطير في الهواء والسمك في الماء. والمجهول لغة: ضد المعلوم. وفي الاصطلاح: ما علم حصوله وجهلت صفته؛ كبيع الشخص ما في كمه, فهو يحصل قطعًا, لكن لا يدرى أي شيء هو. فكل واحد من الغرر والمجهول اصطلاحًا أعم من الآخر من وجه، وأخص من وجه، فيوجد كل واحد منهما مع الآخر، ويدونه، فيجتمعان في نحو شراء العبد الآبق المجهول قبل إباقه، فهو مجهول الصفة، وغرر؛ لأنه لا يدري أيحصل أم لا؟
ويوجد الغرر بدون الجهالة في نحو شراء العبد الآبق المعلوم الصفة قبل إباقه, فلا جهالة فيه، وهو غرر؛ لأنه لا يدري هل يحصل أم لا؟
وتوجد الجهالة بدون الغرر في نحو شراء حجر يراه، لا يدري أهو زجاج أم ياقوت؟ فمشاهدته تقتضي القطع بحصوله فلا غرر، وعدم معرفته تقتضي الجهالة به. نعم -كما تقدم- قد يتوسع العلماء فيهما, فيستعملون أحدهما موضع الآخر نظرًا إلى أن الغرر يوجد في المبيعات من جهة الجهل ... [1] . ولذلك يقول الباجوري: «ومن الغرر: المجهول، والمبهم، وما لم ير قبل العقد» [2] .
رابعًا: ما تؤثر فيه الجهالات، والغرر، وما لا يؤثر فيه ذلك من التصرفات:
وردت الأحاديث الصحيحة في نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، وعن بيع المجهول، ثم اختلف العلماء بعد ذلك.
فمن الفقهاء من عمم النهي في التصرفات وهو الإمام الشافعي, فمنع من الجهالة في الهبة والصدقة والإبراء والخلع والصلح وغير ذلك.
ومن الفقهاء من فصل, وهو الإمام مالك حيث فصل بين قاعدة ما يجتنب فيه الغرر والجهالة, وهو باب المماكسات والتصرفات الموجبة لتنمية الأموال. وما يقصد به تحصيلها. قاعدة ما لا يجتنب فيه الغرر والجهالة وهو ما لا يقصد لذلك، وانقسمت التصرفات عند الإمام مالك ثلاثة أقسام: طرفان, وواسطة [3] .
فالطرفان:
أحدهما: معاوضة صرفة, فيجتنب فيها ذلك إلا ما دعت الضرورة إليه عادة، وكما أن الجهالات ثلاثة أقسام, فكذلك الغرر والمشقة [4] .
(1) الفروق، جـ3، ص265. إدرار الشروق، جـ3، ص271. «الفرق الثالث والتسعون والمائة» بين قاعدة المجهول، وقاعدة الغرر.
(2) حاشية الباجوري، جـ1، ص346.
(3) سيأتي بعض صور الغرر غير المؤثر في أقسام الغرر.
(4) قسم القرافي المشقة التي تنفك عنها العبادة إلى ثلاثة أنواع. نوع في الرتبة العليا, وهذا يوجب التخفيف. ونوع في المرتبة الدنيا، وهذا لا يوجب التخفيف, ومشقة بين هذين النوعين فما قرب من العليا أوجب التخفيف. وما قرب من الدنيا لم يوجبه، وما توسط يختلف فيه لتجاذب الطرفين له، ثم قال القرافي: وكذلك الغرر والجهالة في البيع ثلاثة أقسام, واعتبر ذلك في جميع أبواب الفقه. الفروق، جـ1، ص118، 119. الفرق الرابع عشر.