ثانيهما: ما هو إحسان صرف لا يقصد به تنمية المال؛ كالصدقة والهبة والإبراء، فإن هذه التصرفات لا يقصد بها تنمية المال، بل إن فاتت على من أحسن إليه بها لا ضرر عليه, فإنه لم يبذل شيئًا بخلاف القسم الأول إذا فات بالغرر والجهالات ضاع المال المبذول في مقابلته. فاقتضت حكمة الشرع منع الجهالة فيه، أما الإحسان الصرف فلا ضرر فيه, فاقتضت حكمة الشرع وحثه على الإحسان التوسعة فيه بكل طريق بالمعلوم والمجهول، فإن ذلك أيسر لكثرة وقوعه قطعًا، وفي المنع من ذلك وسيلة إلى تقليله، فإذا وهب له عبده الآبق جاز أن يجده فيحصل له ما ينتفع به, ولا ضرر عليه إن لم يجده؛ لأنه لم يبذل شيئًا، وهذا فقه جميل.
والجواب على الإمام الشافعي ومن وافقه: أن الأحاديث لم يرد فيها ما يعم هذه الأقسام حتى نقول: يلزم منه مخالفة نصوص صاحب الشرع, بل إنما وردت في البيع ونحوه [1] . وقد وافق الإمام مالك في هذا المنحى بعض الفقهاء كابن القيم حيث يقول: «فإذا كان البائع عاجزًا عن تسليم المبيع فهو غرر ومخاطرة وقمار, فإنه لا يباع إلا بوكس ... وكذلك سائر عقود المعاوضات، بخلاف الوصية فإنها تبرع محض فلا غرر في تعلقها بالموجود والمعدوم, وما يقدر على تسليمه إليه وما لا يقدر، وطرده في الهبة إذ لا محذور في ذلك فيها. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم هبه المشاع المجهول في قوله لصاحب كبة الشعر حين أخذها من المغنم وسأله أن يهبها له فقال: «أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك» [2] .
وأما الواسطة بين الطرفين فهو النكاح فهو من جهة أن المال فيه ليس مقصودًا وأن مقصده المودة والألفة والسكون يقتضي أن يجوز فيه الجهالة والغرر مطلقًا. ومن جهة أن صاحب الشرع اشترط فيه المال بقوله تعالى: (أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم) [3] . يقتضي امتناع الجهالة والغرر فيه، فلوجود الشبهين توسط البعض كالإمام مالك, فجوز فيه الغرر القليل
(1) الفروق، جـ1، ص150، 151. الفرق الرابع والعشرون بين قاعدة ما تؤثر فيه الجهالات والغرر، وقاعدة ما لا يؤثر فيه ذلك من التصرفات. وانظر نفس الفرق في إدرار الشروق على الفروق السابق.
(2) إعلام الموقعين، جـ2، ص28. وانظر الحديث في السنن الكبرى للبيهقي، جـ6، ص337. مسند الإمام أحمد جـ2، ص88. سنن أبي داود جـ3، ص69، 82. سنن النسائي، جـ7، ص131، 132. موطأ مالك، ص 304.
وخلاصة الأقوال في هبة المجهول والمعدوم ثلاثة أقوال:
-القول الأول: لا تجوز هبة المجهول والمعدوم, وبه قال الجمهور. الحنفية، والشافعية والحنابلة، والظاهرية، وقول للإباضية قال به منهم ابن عبد العزيز، ونقل عن أبي ثور إلا في غير المقدور على تسليمه كما في المغني.
-القول الثاني: تجوز هبة المجهول والمعدوم المتوقع الوجود، وبالجملة كل ما لا يصح بيعه من جهة الغرر. وبه قال المالكية, وهو قول أكثر الإباضية والراجح عندهم، وهو قول أبي ثور في غير المقدور على تسليمه، وقول عند الحنابلة فيه، وفي المعدوم وفي المجهول، وبه قال الشيخ تقي الدين والحارثي، وهو وجه عند الشافعية في المجهول وغير المقدور على تسليمه كالآبق والشارد.
-القول الثالث: تجوز هبة المجهول إذا كان معلومًا بالوصف لا في المجهول من كل وجه، وهو قول بعض الإباضية كالشيخ أحمد بن محمد بن بكر. انظر للحنفية: بدائع الصنائع، جـ6، ص119. مجمع الأنهر، جـ2، ص356، 357. تكملة ابن عابدين، جـ2، ص295، 297. وللمالكية: شرح الخرشي وحاشية العدوي، جـ7، ص103. الشرح الكبير وحاشية الدسوقي، جـ4، ص99. بلغة السالك، جـ2، ص290. بداية المجتهد، جـ2، ص327، 329. القوانين الفقهية، ص361. وللشافعية: مغني المحتاج، جـ2، ص399. روضة الطالبين، جـ5، ص373. تحفة المحتاج جـ6، ص303، 304. حاشية الجمل، جـ3، ص596. المهذب، جـ1، ص446. نهاية المحتاج والشبراملسي، جـ5، ص411، 412. تكملة المجموع، جـ15، ص375، وما بعدها. وللحنابلة: كشاف القناع، جـ4، ص298، 306. الإنصاف، جـ7، ص132، 133. هداية الراغب، ص411. المغني، جـ5، ص656. وما بعدها. وللظاهرية المحلى، جـ9، ص116، مسألة 1625. وانظره في ص152، مسألة 1633، ص163، مسألة 1645. وللإباضية: شرح النيل، جـ12، ص11، 13، 20، 21, 23، 25. الإيضاح، جـ8، ص102. المصنف، جـ27، ص167، 198، 199. وجمهور الفقهاء على صحة الوصية بالمجهول والمعدوم. بدائع النصائع، جـ6، ص119. مجمع الأنهر، جـ6، ص356, 357، 693.
(3) سورة النساء: جزء من الآية 14.