فهرس الكتاب
-لقد خرج جليس الملك من بلاء العمى إلى بلاء الصبر على الهدى، فإنه قبل إيمانه كان جل مقصده أن يعود له بصره، وقد بذل لذلك ما بذل، وفي نيته أن يبذل ما يطلب منه، ولما جاءه الايمان وعلم حلاوته وقيمته هانت عليه نفسه وروحه كلها لا بصره فقط، ولذلك رضي الله أن ينشر بالمنشار إلى شقين ولا يعود عن دينه، ولو نظر إليه صاحب كفر وهوى لقال: إن الفتى جنى على هذا الجليس حيث رد إليه بصره بالدعاء، فأخرجه من بلاء العمى، لكن أوقع في بلاء أشد ومحنة أعظم، وهذا يقوله أهل الضلال يومًا وكذلك أهل الجهالة كما قال قوم موسى لموسى: - (( أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ) )،بل ربما كان البلاء بعد الهدى أشد كما كان مع هذا الجليس الصالح، لكن ليس المعيار هو البلاء، ولا رفع الأذى، إنّما المعيار هو معرفة أي سبيل يكون فيه هذا البلاء وهذه المحن، فإن كان في سبيل الله تعالى كان بلاءً ممدوحًا محبوبًا لأهل الإيمان، وأما إن كان لأه الدنيا الذين لا يؤمنون بالله والدار الآخرة فإن هذا من العذاب في الدنيا، وهو الذي يسبق عذاب الآخرة.