فهرس الكتاب
-من البين أن الجليس لم يصبر على العذاب حين كان سببه الكشف عن الفتى، فقد عذّب حتى دل عليه، ولكنه صبر عليه حين كان من أجل الارتداد عن الدين، هذا هو الظاهر من الحديث، وقد يكون هناك صورة أخرى في هذا اللفظ، وهو أن عذاب الملك للجليس كان عذابًا لا يريد منه قتله، وهو عذاب متواصل، وهذا قد يضعف القوي فيه، بخلاف ما إذا هدد بالقتل، فإن القتل ليس ألمه كألام العذاب التي توصل صاحبها إلى الموت ولا يدركه، ولذلك كان من عذاب جهنم على الكافرين ما قاله تعالى (( لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها من شيء كذلك نجزي كل كفور ) )،فأن توضع رقبة المرء تحت السيف، أو رأسه أمام المسدس أو يقف أمام المشقنة كل ذلك أهون على نفس المؤمن الذي يحب لقاء الله من الام العذاب المتواصل التي يريد صاحبها من المؤمن أمرًا، فهو يعذبه عذابًا لا يوصله إلى الموت، وعذاب متواصل لا ينتهي، وهذا ربما هو ما جعل الجليس يعترف على الفتى.
ومما يشهد لهذا أن الفتى اعترف على الراهب تحت العذاب، ولكنه في خاتمة الحديث هو الذي اختار الموت، فدل الملك على وسلة قتله، فالمرء يقبل على الموت ولا يهابه، ولكن للناس قدرات في تحمل عذاب المجرمين.