الصفحة 158 من 3881

فإذًا رؤية المؤمنين لربهم في الجنة من الحقائق التي تواترت بها النصوص، طبعا هي غيبية؛ ولذلك الذين استعملوا عقولهم في الخوض في هذه الأمور وقعوا في هلكة؛ لأنهم قالوا: يعقل، ما يعقل إلى آخره من أمور هم أصلا في عافية منها، وقاسوا رؤية الخالق -عز وجل- على رؤية المخلوقين، قالوا: لا يمكن هذا؛ لأنه يترتب على الرؤية كذا، ويلزم منها كذا، لوازم بعضها حق، ويثبت لله -عز وجل-؛ لأن مما قالوه: قالوا يلزم من إثبات الرؤية إثبات الجهة لله -عز وجل- سبحان الله- ماذا تقصدون بالجهة؟ هذا كلام مجمل، الجهة نحن لا نجعلها وصفا لله، ولا نقول بها حتى نفصل،إن قصدتم بالجهة العلو، نعم، المؤمنون يرون ربهم من فوقهم، كما هو نص حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - فلماذا تنزعجون من الحق؟ ولماذا تقولون: هذا يلزم الجهة؟ العلو كمال، وكل عاقل يدرك بعقله وفطرته وبجميع المقاييس الحس والمشاهدة ومقاييس الفكر والعقل: أن العلو كمال، أليس كذلك؟ إذًا لماذا يتهيبون إثبات العلو لله -عز وجل-؛ ولذلك نفوا الرؤية زعمًا منهم أنها يلزم منها الجهة، وهربوا من إثبات العلو الثابت لله -عز وجل-.

إذًا الرؤية حق، لكن لا نتكلم فيها بأكثر مما ورد به النص، كيف تكون؟ هذه أمور لا يجوز أن نخوض فيها؛ لأنها تطلع إلى الغيب المحجوب الذي لا يعلمه إلا الله -عز وجل- خاصة فيما يتعلق بالله -عز وجل- بذاته وأسمائه وصفاته أفعاله، والرؤية هذه أمور متعلقة بالله يجب على المسلم أن يتهيب ويتورع أن يخوض فيها، أو حتى أن يفتح لنفسه باب الأسئلة والإشكالات، إن جاءته وساوس أو خواطر عارضة سيدفعها الإيمان بإذن الله، وإلا يسأل أهل العلم، لعل الله -عز وجل- أن يفتح عليه جوابا ينقذه من الوساوس، أما أن يبتدأ ابتداء بالتوهمات، فهذا من الخطأ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت