الصفحة 1676 من 3881

والسببُ في ذلك أن الشيخَ جاءَ إلى ماءٍ راكدٍ وحاولَ أن يحرك هذا الماءَ وَرَمَى فيه بحجرٍ كأنه قال للناس: أنتم نِيَامٌ، فالمذهبُ المنتشرُ بين أيدي الناسِ المسمى بمذهب أهل السنة ليس هو مذهبَ أهلِ السنةِ، وألف هذه الرسالة وَمَلأَهَا بالنقولِ التي احتار أمامها هؤلاء.

لماذا؟

لأنه يقول:

إن كنتَ حنفيًّا في الفروع؛ فهذا كلامُ إمامِكَ الإمامِ أبي حنيفةَ ومحمد بن الحسن في الأصول، لماذا اتبعتَه في الفروع وتركت كلامه في الأصول؟!

إن كنت شافعيا؛ فهذا كلامُ أئمةِ الشافعية المتقدمين.

إن كنت حنبليا؛ فهذا كلام الحنابلة.

إن كنت مالكيا ... وهكذا.

إن كنت صوفيًّا؛ فهذا كلام أئمة الصوفية المتقدمين.

إن كنت أشعريًّا؛ فهذا كلام الأئمة المتقدمين من الأشاعرة.

فجميعُهم يُخالف ما أنت عليه، ولهذا أُصيبوا بردة قوية، فامتُحِنَ الشيخُ بسبب هذه الرسالة، وأُوذِيَ بسببها، وتوالتْ عليْه المحنُ إلى أن انتهى الأمرُ بأنْ مُنِعَتْ كتبُه، وأصبحت محظورةَ التداولِ، بل اعتُبِرَ وجودُ شيءٍ منها جريمةً، وأُودِعَ السجنَ. وسُمِحَ له -أولَ الأمر-بالكتابةِ والتقاء الطلاب، ثم أُبْعد عنه هذا كلُّه.

وآخر محنة امتُحِنَ الشيخُ بسببها وأودع السجن بسبب فتوى له في مسألة شدِّ الرِّحَال إلى القبور فَحَرَّفُوا فيها، وزادوا ونقصوا، وأَلَّبُوا عليه الحكام.

لكنَّ أحدَ تلامذةِ الشيخ والمعاصرين له ويقال له أحمد بن مِرِّي الحنبليّ كَتَبَ كتابا يُكتب بِمِدَادِ الذَّهَبِ رسالةً يوصي فيها تلامذة الشيخ بأن يَحْرِصُوا على جَمْعِ مؤلفاتِ الشيخِ، ويقول: أنا أعرف أنها -الآن- متفرقة، ولا أَحَدَ يستطيع أن يُخرجها، ولكن حَاوِلوا قَدْرَ الإمكان جَمْعَها والمحافظة عليها. والشاهد قوله: وواللهِ -إن شاء الله- لَيُخْرِجَنَّ الله مَنْ يَسْعَى لإخراجِ هذا الكلامِ وشرحِه، وبيانِه، ونشره بين الناس، واستخراج محاسنِه رجالًا هُمُ الآن في أصلاب آبائهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت