فهرس الكتاب
لا زال المؤلفُ -رحمه الله- يُبَيِّنُ أَنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَحْكَمَ أمورَ هذا الدِّينِ أُصُولًا وَفُرُوعًا، عِلْمًا وَعَمَلًا، وَأَوْرَدَ شيئًا مِنَ الأدلةِ، وَاسْتَكْمَلَهَا -هنا- بِحَدِيثِ أَبي ذَرٍّ الذي رَوَاه الإمامُ أحمد والطبرانيُّ، والحديثُ صحيحٌ، كَمَا صَحَّحَه الهيثميُّ -رحمه الله-.
قال:"لقد توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما من طائرٍ يقلب جناحيه في السماء إلا ذَكَرَ لنا منه عِلمًا". وَذَكَرَ -أيضًا- حديث عمرَ بنِ الخطابِ -رضي الله عنه-:"قام فينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مَقَامًا فَذَكَرَ بَدْءَ الخلقِ حتى دَخَلَ أهلُ الجنةِ مَنَازلهم وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه"رواه البخاريُّ ومسلمٌ.
فهذا يَدُلُّ على أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- بَيَّنَ للأمةِ كُلَّ شيءٍ حَتَّى دقائق الأمور فلم يدع لقائلٍ مقالًا.
(مُحَالٌ -مَعَ تَعْلِيمِهم كُلَّ شيءٍ لهم فيه مَنْفَعَةٌ في الدِّينِ وإِنْ دَقَّتْ- أَنْ يَتْرَكَ تَعْلِيمَهم ما يَقُولُونَه بألسنتِهم ويعتقدونه بقلوبِهم في ربِّهم وَمَعْبُودِهم رَبِّ العالمين، الذي معرفتُه غَايةُ المعارفِ، وَعِبَادتُه أَشْرَفُ المقاصدِ، والوصولُ إليه غَايَةُ المطالبِ، بل هذا خلاصةُ الدَّعْوَةِ النبويَّة، وَزُبْدَةُ الرِّسَالةِ الإلهيةِ؛ فَكَيْفَ يَتَوَهَّمُ مَنْ في قَلْبِه أَدْنَى مُسْكَةٍ مِنْ إِيمانٍ وحكمةٍ أن لا يكونَ بيانُ هذا البابِ قَد وَقَعَ مِنَ الرَّسولِ -صلى الله عليه وسلم- على غايةِ التمامِ؟! إِذَا كَانَ قَدْ وَقَعَ ذلك منه؛ فَمِنَ المحالِ أنْ يَكُونَ خَيْرُ أُمَّةٍ وَأَفَضَلُ قُرونِها قَصَّروا في هذا الباب، زَائِدِين فيه، أو ناقِصين منه)