فهرس الكتاب
هذا ابن عبد البر -رحمه الله- سلك مسلك من قبله من العلماء، استدل على هذه صفة العلو بالكتاب، والسنة، وأقوال الأئمة، ثم ذكر دليل الفطرة لما قال: (وهذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكاية) : ليسوا بحاجة أن نكثر لهم: قال فلان:... وقال فلان:... لماذا؟ لأنه اضطرار، أمر يضطر إليه الإنسان اضطرارا ليس لهم فيه اختيار أن الله -عز وجل- في العلو.
(وقال أبو عمر ابن عبد البر أيضا: أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حُمل عليهم التأويل قالوا في تأويل قوله: ? مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ ? [المجادلة: 7] : هو على العرش وعلمه في كلّ مكان، وما خالفهم في ذلك مَن يُحتج بقوله.)
ما المقصود هنا بالتأويل؟
قلنا: التأويل له ثلاثة معانٍ:
-صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح. هذا على اصطلاح المتأخرين.
-والتفسير.
-والحقيقة.
فهو يُريد هنا التفسير الذين حمل عنهم التأويل؛ أي التفسير. قالوا: (في تأويل قوله) ؛ أي في تفسير قوله تعالى.
(وقال أبو عمر -أيضا-: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها بها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يُكيّفون شيئا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة.)
وهذا رَدٌّ على هؤلاء المتأخرين من أهل التأويل الذين حملوا ظاهر هذه النصوص على المجاز، ? بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ? [المائدة: 64] ، قالوا: هذا مجاز. ? وَيبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ? [الرحمن: 27] ، قالوا: هذا مجاز. والأئمة المتقدمون حملوا هذا النصوص على ظاهرها وعلى حقيقتها؛ لم يصرفوا اللفظ عن المعنى القريب إلى المعنى البعيد، ويقولون: إن هذا المعنى القريب مجاز في حق الله -عز وجل-.