فهرس الكتاب
وهذه المسائل كلها تقدم الكلام عليها، وقلنا: مسألة الجدال والخصومة والمراء إذا كان المراد منها إحقاق الحق؛ فهذا أمر مشروع، ولهذا أمر الله -عز وجل- بمجادلة أهل الكتاب ? وَجَادِلْهُم بالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ? [النحل: 125] ، لكن إذا كان المقصود منه الانتصار للنفس، وإظهار الباطل؛ فهنا يأتي النهي؛ كما نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه في حديث عمرو بن شعيب لَمَّا خرجوا وهم يتنازعون في القدر، فكأنما فُقِئَ في وجهه حَبُّ الرمان من شدة الغضب، وَحَصَبَهم في رواية، فقال: (أبهذا أمرتم؛ تضربون كتاب الله بعضه ببعض) ؟ خرج عليهم وهم يتجادلون.
(ويُسلمون للروايات الصحيحة ولما جاءت بها الآثار التي جاءت بها الثقات عَدلًا عن عدلٍ، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لا يقولون: كيف: ولا لم؟ لأن ذلك بدعة.
إلى أن قال: ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال -تعالى-: ? وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ? [الفجر: 22] ، وأن الله يَقْرُبُ من خلقه كيف شاء كما قال: ? وَنحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ? [ق: 16] .)
وهذه المسألة تقدم الكلام عليها أنها محل خلاف، والصحيح أنّ القرب هنا قربُ الملائكة وليس قرب الله -عز وجل-؛ لأن الله لا يوصف بقرب عام يوصف بقرب خاص، قريب من الداعي بالإجابة وقريب من العابد بالإثابة.
هذا المذهب الذي نقله أبو الحسن الأشعري هو مِن جمعه أم أنه يرويه عن أحد؟
لا، يستخلصه من روايات الأئمة قبله، يقول: هذه خلاصة مذهب أهل الحديث أهل السنة.
مجمعون عليها.
نعم، ولهذا قال: أجمعوا على كذا وكذا وكذا هذا ليس محل خلاف.
هذا من اجتهاده وجمعه؛ لأن في هذا التأويل مثلا: ? وَنحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ? هل هو نقله عن أحد؟
نعم، كما ذكرنا أن بعض الأئمة المتقدمين ومنهم الإمام أبو حنيفة رأى أن القرب هنا قرب الله -عز وجل-.