فهرس الكتاب
هذه من التأويلات التي تأولها من أنكر صفةَ الاستواء، وجمهور الأشاعرة على تأويل الاستواء بالاستيلاء، علما أنّ المتأخرين منهم من أنكر عليهم هذا التأويل، ومنهم عبد القاهر البغدادي -رحمه الله- في كتابه"أصول الدين"، ويعتبر من أئمة الاشاعرة، لكن أنكر على الأشاعرة هذا التأويل، وأنكر على المعتزلة هذا التأويل، ومنهم من أوّل الاستواء بالقهر والقدرة يعني استوى على العرش: قهر العرش وقدر على العرش، ومنهم من أول العرش الملك، استوى على العرش: استوى على الملك، وكل هذه تأويلات باطلة، يردها العقل، وتردها اللغة، ويردها الشرع، وسيبين وجه خطئها الإمام أبو الحسن بعد قليل.
(والأرض؛ فالله قادر عليها وعلى الحشوش وعلى كل ما في العالم، فلو كان الله مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء وهو -عز وجل- مستو على الأشياء كلها؛ لكان مستويا على العرش، وعلى الأرض، وعلى السماء، وعلى الحشوش والأقذار؛ لأنه قادر على الأشياء مستولٍ عليها. فإذا كان قادرًا على الأشياء كلها، ولم يجز عن أحد من المسلمين أن يقول: إن الله مستو على الحشوش والأخلية؛ لم يجز أن يكون الاستواء على العرش بمعنى الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يَخص العرش دون الأشياء كلها، وذكر دلالات من القرآن، والأحاديث، والإجماع، والعقل.)
هذا وجه من الوجوه التي يُرد بها على هؤلاء الذين أولوا الاستواء بالاستيلاء، إذا كان معناه القهر، والاستيلاء، والقدرة؛ فالمفرق بين العرش والسماوات والأرض والشجر والبحار؟
الكل الله -عز وجل- قادر عليه، ومستول عليه؛ فلماذا خص العرش؟ ولم يقل أحد من المسلمين: إن الله -عز وجل- متسوٍ على الأرض، أو على الجبال، أو على الشجر، أو حتى -كما ذكر الشيخ- على الحشوش أماكن قضاء الحاجة تعالى الله عن ذلك؛ لأن الله قادر عليه، فدل على أن الاستواء له معنى يخصه معناه العلو والارتفاع ولهذا خُص العرش بذلك.