فهرس الكتاب
ولهذا قال الشيخ: (بل الذي رأيته أن كثيرا من كلامهم يدل إما نصّا وظاهرا على تقرير جنس هذه الصفة.) فإذا أثبت أحدهم صفة اليدين علمت أنه سيثبت صفة الوجه، ولو لم ينص على ذلك؛ لأن الطريقة واحدة، والدليل واحد، والاستدلال واحد، فهم أثبتوا جنس هذه الصفة، لكن لم يُنقل عن أحد منهم -لا نصا ولا ظاهرا- خلاف ما قرره هو -رحمه الله- هنا وفي غيره، وإنما الذي أنكره السلف -ما أنكروا أثبتوا إثبات الصفات- أنكروا التشبيه، وصاحوا بالمشبهة، ولهذا قال نعيم بن حماد: «وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها» ؛ كوني أثبت هذه الصفات ليس تشبيها، إنما المشبِّه أن تُثبت لله شيئا من خصائص المخلوق، أو تثبت للمخلوق شيئا من خصائص الله، وهذا ضابط ينبغي أن نَنْتَبِهَ له: التشبيه المنفي عن الله -سواء في نصوص الكتاب والسنة أو في نصوص السلف- هو أن يُثبت للخالق أو المخلوق شيء من خصائص الآخر. الشيء الذي يختص به الخالق تنسبه للمخلوق، هذا التشبيه أو شيء مما يختص به المخلوق تنسبه للخالق.
(وكانوا إذا رأوا الرجل قد أغرق في نفي التشبيه من غير إثبات الصفات؛ قالوا: جهمي مُعَطِّل، وهذا كثير جدا في كلامهم؛ فإن الجهمية والمعتزلة -إلى اليوم- يُسَمُّون من أثبت شيئا من الصفات مشبها كذبا منهم وافتراء، حتى إن منهم من غلا ورمى الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- بذلك، حتى قال ثُمامة بن أَشْرَس من رؤساء الجهمية: «ثلاثة من الأنبياء مشبهة: موسى؛ حيث قال: ? إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ ? [الأعراف: 155] ، وعيسى؛ حيث قال: ? تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ? [المائدة: 116] ، ومحمد؛ حيث قال:(ينزل ربن) » .
وحتى إن جُلَّ المعتزلة تُدخل عامة الأئمة؛ مثل مالك وأصحابه، والثوري وأصحابه، والأوزاعي وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وإسحاق بن رهوايه، وأبو عُبَيْد، وغيرهم في قسم المشبهة، وقد صنف أبو إسحاق...)