فهرس الكتاب
(فمن قال: لا أعقل عِلْمًا ويدا إلا من جنس العلم واليد المعهودين؛ قيل له: فكيف تعقل ذاتا من غير جنس ذوات المخلوقين؟!)
وهذا يُرد به على المعتزلة. إذا قال: أنا لا أثبت لله العلم، ولا أثبت لله اليد.
لماذا؟
قال: لأني لا أعقل، لا يمكن أتصور أن هناك يدا أو علما إلا هذا العلم الذي أشاهده. قلنا له: وهل تعقل ذاتا غير ذات المخلوق؟!
طبعا لا بد أن يُثبت لله ذاتا قائمة بنفسها، فإن قال: نعم، الله له ذات لائقة له؛ قيل: وله الصفات اللائقة به.
(قيل له: فكيف تعقل ذاتا من غير جنس ذوات المخلوقين؟! ومن المعلوم أن صفات كل موصوف تناسب ذاته وتلائم حقيقته. فمن لم يفهم من صفات الرب الذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ إلا من يناسب المخلوق؛ فقد ضل في علقه ودينه.
وما أحسنَ ما قال بعضهم: إذا قال لك الجهمي: كيف استوى؟ وكيف ينزل إلى السماء الدنيا؟ وكيف يداه؟ ونحو ذلك. فقل له: كيف هو في نفسه؟ فإذا قال لك: لا يعلم ما هو إلا هو، وكُنْهُ الباري غير معلوم للبشر. فقل له: فالعلم بكيفية الصفة مستلزمٌ للعلم بكيفية الموصوفِ، فكيف يمكن أن تَعْلَمَ بكيفية الصفة الموصوف ولم تعلم كيفيته؟ وإنما تُعلم الذات والصفات من حيث الجملة على الوجه الذي ينبغي لك. بل هذه المخلوقات في الجنة قد ثبتت؛ عن أبي عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: «ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء» ، وقد أخبر الله أنه: ? فلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ? [السجدة: 17] ، وأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-: أن (في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) . فإذا كان نعيم الجنة -وهو خلق من مخلوقات الله كذلك-؛ فما الظن بالخالق -سبحانه وتعالى-؟!.)