فهرس الكتاب
ولهذا قال الله -عز وجل-: ? فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ? [السجدة: 17] ، وفي الحديث الصحيح: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) . هذا مخلوق مع مخلوق، وبينهما هذا التباين العظيم؛ فما الظن بالخالق والمخلوق؟! حتى وإن اتفقا في الاسم؛ فالحقيقة متباينة تماما.
(وهذه الروح التي في بني آدم قد علم العاقل اضطراب الناس فيها وإمساك النصوص عن بيان كيفيتها. أفلا يعتبر العاقل بها عن الكلام في كيفية الله -تعالى-؟! مع أنا نقطع بأن الروح في البدن، وأنها تخرج منه وتعرج إلى السماء، وأنها تُسَلُّ منه وَقْتَ النزع كما نطقت بذلك النصوص الصحيحة؛ لا نغالي في تجريدها غلوَّ المتفلسفة ومن وافقهم؛ حيث نفوا عنها الصعود والنزول، والاتصال بالبدن والانفصال عنه، وتخبطوا فيها حيث رأوها من غير جنس البدن وصفاته. فعدم مماثلتها للبدن لا يَنفي أن تكون الصفات ثابتة لها بحسبها إلا أن يفسروا كلامهم بما يوافق النصوص، فيكونون قد أخطئوا في اللفظ وأنَّى لهم بذلك؟!)
المثال الثاني لأجل أن يُقَرِّبَ المعنى: أن التماثل في أسماء الصفات بالنسبة لله وأسماء المخلوق لا يلزم منه التمثيل، يعني كون الله -عز وجل- وصف نفسه بأن له يدين، والمخلوق موصوف بذلك لا يلزم أن تكون يَدَا المخلوق كيد الخالق.
المثال الثاني الذي يريد أن يقرب به المعنى وهذه المباينة: الروح، قال: هذه الروح التي في بني آدم من أقرب شيء لبني آدم. اضطرب الناس فيها في حقيقة هذه الروح، والنصوص لم تُبَيِّنْ كيفية هذه الروح. وُصِفَتْ في النصوص أنها تسل، وأنها تصعد، وأنها تخرج، لكن حقيقة هذه الروح وكيفية هذه الروح لا يعلمها أحد، ولا يمكن أن يدعي ذلك أحد، وهي مخلوقة، ووصفت بأوصاف وصف بها المخلوق الخروج، تسل، تصعد، تسمع، تتكلم.