الصفحة 2273 من 3881

والذي جعل كلام هؤلاء ينطلي على هؤلاء الجهال الذين أشار إليهم الشيخ كالغر الذي لا يتفطن للباطل. هذا الكلام الطويل المزخرف المزركش، وهذه المقدمة يَتِيَه الإنسان، ويتوقع أن ما معهم ما هو إلا الحق، وكلمات كبيرة، وقواعد منمقة، فيغتر بما معه. لكن إذا أنار الله -عز وجل- قلب الإنسان بنور الكتاب والسنة؛ تَبَيَّنَ أنَّ الذي هم عليه باطل لا حقيقة له، وأنه -كما ذكرت- ما هو إلا سراب وخيالات. لكن متى يتبين؟! إذا كان الإنسان أنار الله قلبه بنور الإيمان، بنور الكتاب والسنة، فدائما الأشياء تتبين بضدها، وإلا إذا كان قلب الإنسان خاويا من نور الكتاب والسنة؛ انطلى عليه زخرفة هؤلاء.

(فأما المتوسط من المتكلمين؛ فيُخاف عليه ما لا يخاف على من لم يدخل فيه، وعلى من قد أنهاه نهايته، فإن من لم يدخل فيه؛ فهو في عافية، ومن أنهاه؛ قد عرف الغاية. فما بقي يَخاف من شيء آخر. فإذا ظهر له الحق وهو عطشان إلى قَبْلِه، وأما المتوسط فمتوهم بما تلقاه من المقالات المأخوذة تقليدا لمعظمه تهويلا.)

الشيخ لخص لنا في هذه الأسطر موقف الناس تجاه علم الكلام. هذا العلم الذي اغْتَرَّ به كثير ممن غرقوا في لججه، وضل بسببه بعض الناس. يقول: الناس ثلاثة أقسام تجاه هذه العلم:

-قسم لم يدخل فيه، فهو في عافية، وهذا -ولله الحمد- أكثر المسلمين تجنبوه وسلموا منه وسلموا من تبعاته.

-القسم الثاني: من دخل فيه وبلغ نهايته، وعرفه وقلاه، ولهذا إذا ظهر له الحق مباشرة بصيص النور تمسك به بقناعة تامة، كما هي الحال عند بعض كبرائهم ومعظميهم الذين سبق الكلام عليهم في أول الرسالة؛ كالإمام الرازي -رحمه الله- قال في آخر حياته أبياته المشهورة:

نهاية إقدام العقول عقال***وأكثر سعي العالمين ضلال

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا*** سوى أن جمعنا فيه قيل وقالو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت