فهرس الكتاب
قال: لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية؛ فما رأيت تشفي عليلا ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن. اقرأ في الإثبات: ? الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ? [طه: 5] ، ? إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ? [فاطر: 10] ، واقرأ في النفي: ? لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ? [الشورى: 11] ، ? وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ? [الإخلاص: 4] ، ومن جرب مثل تَجْرِبَتِي؛ عرف مثل معرفتي.
سلك هذا الطريق وتبحر فيه، لكنه وصل في النهاية إلى طريق مسدود، ولهذا تَبَيَّنَ أن الحق لا يُلتمس منه.
أبو المعالي الجويني عرفنا كلامه الآن قيد. قال رحمه الله: اشهدوا علي أني رجعت عن كل مقالة تخالف السنة، قال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت؛ ما اشتغلت بهذا العلم. ولهذا قال: خضت في الشيء الذي نهاني عنه أهل الإسلام، والآن إن لم يتداركني ربي؛ فالويل لابن الجويني.
الإمام الغزالي قال: أكثر الناس شكا عند الموت أهل الكلام.
الشهرستاني:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها***وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أرَ إلا واضعا كف حائر***على ذقن أو قارعا سن نادم
هؤلاء تَبَيَّنَ لهم فعلا أنهم ليسوا على جادّة لكن هؤلاء تبحروا في هذا العلم.
وضاع جزء كبير من عمرهم.
الشاهد أنه لما يتبين لهم الحق؛ عرفوا أن ما هم عليه باطل. هذا الصنف الثاني، وهؤلاء أخف.
وأسواء الأصناف الثلاثة المتوسطة، هؤلاء مغترون بما مع هؤلاء من زخارف القول وبهارج الكلام؛ هذه القواعد، وهذه الأصول التي أصلوها وما بلغوا نهاية هذا العلم ليتبين لهم أنهم ليسوا على جادة، ولهذا يبقون في تخبط، ولهذا يُخاف على هؤلاء ما لا يُخاف على غيرهم.
ولهذا قال الشيخ: فأما المتوسط من المتكلمين؛ فيُخاف عليه ما لا يُخاف على من لم يدخل فيه. هذا في عافية. أو على من دخل فيه وبلغ غايته.