الصفحة 2289 من 3881

وأود من طلابنا أن يفرقوا بين مقامين في غاية الأهمية: بين مقام الدعوة إلى الله، ومقام الجهاد؛ لأنني أرى خلطًا رهيبًا بين مقام الدعوة والجهاد، فمقام الجهاد غلظة ورجولة ? يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ? [التوبة:73 ] لكنك في مقام الدعوة لست في مقام جهاد، وإنما في مقام دعوة، مقام الدعوة الرحمة، مقام الدعوة الحكمة، مقام الدعوة اللين، وهذا المنهج الدعوي -أيها الأحبة- منهج توقيفي، لم يدعه ربنا -تبارك وتعالى- لنبي من الأنبياء، ولا لرسول من الرسل، فضلًا عن داعية من الدعاة، وإنما هو منهج توقيفي لا يختلف باختلاف الزمان والمكان، إن كنت في دعوة فعليك أن تكون رحيمًا رقيقً مهذبًا مؤدبًا، عليك أن تعلم أنك تخاطب خلقًا، تخاطب بشرًا، تخاطب نفوسًا بشرية فيها الإقبال والإحجام، فيها الخير والشر، فيها الحلال والحرام، فيها الطاعة والمعصية، فيها الفجور والتقوى، فيها الإقبال والإدبار، فعليك أن تكون ملمًا بمفاتيح هذه النفس البشرية؛ لتسبر أغوارها، ولتتغلغل إلى أعماقها، محال أن تدخل قلب من تدعوه إلى الله، وأن تبلغه عن الله وعن رسوله إلا برحمة، وإلا برقة، إلا إذا قلت له: اعلم رحمك الله، اعلم رحمك الله، فما أرقها من بداية! وما أجملها من بداية! فمقام الدعوة ? ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ ? [النحل:125] الحكمة: ليست كلمة يرددها داعية أو عالم، هكذا .

قال ابن القيم رحمه الله: الحكمة هي فعل ما ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، وأركانها العلم، والحلم، والأناة، وآفاتها، وأضادها، ومعاول هدمها: الجهل، والطيش، والعجلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت