فهرس الكتاب
والبداية بالنفي هنا لها أهمية في تأسيس الاعتقاد في قلب المسلم، ولها أهمية كبرى، وهو أن الإنسان العاقل مخاطب بالشرع، وكان من ضمن الخبر والخطاب الذي جاءه عن الله -عز وجل- وعن رسوله -صلى الله عليه وسلم- الخبر عن الله -عز وجل- في ذاته وأسمائه وصفاته، وهو أعظم الخبر، وأعظم ما يعتقده المسلم في حق الله، ونظرًا لأن السامع العاقل غالبًا إذا سمع بأسماء الله وصفاته وأفعاله، يتوهم في ذهنه صورًا وأشكالًا وأوهامًا ربما ينطبع في قلبه إذا لم يحصن بالعقيدة السليمة، أن هذه الأوهام والصور والأشكال هي حقيقة صفات الله؛ ولذلك جاء النفي هنا ليطرد ويطهر القلب والعقل والتصور من أن ينقدح التشبيه، بمعنى أن الإنسان إذا بدأ باعتقاد أن الله ليس كمثله شيء من هنا عظم الله حق التعظيم، وتهيب التشويه والتمثيل، وتحصن قلبه وعقله من أن يتوهم لله مثيلًا أو شبيهًا، ثم بعد ذلك يأتي الإثبات ليحل في هذا القلب الذي حصن بمثل هذا التحصين، فبدأت الآية بقوله -عز وجل-: ? لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ?، إذن إذا جاء قوله: ? وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ? يجب أن لا يتوهم السامع أن سمعه مثل سمع المخلوقين، ولا أن بصره مثل بصر المخلوقين، وهكذا بقية الصفات، هذا أمرٌ آخر؛ نظرًا لأن أغلب ما ابتليت فيه الأمم من أنواع الضلالات هو سوء التصور عن الله، وعدم تعظيم لله حق تعظيمه، وعدم تقديره حق تقديره، ومن ذلك أن طوائف من الأمم الهالكة حكَّمت خيالاتها وتخرصاتها في الله -عز وجل- فشبهوا الله بالخلق، أو شبهوا الخلق بالله، فمن هنا جاء التنزيل: ? لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ?. [الشورى: 11] .
فهذه الآية قاعدة عظيمة، وهي التي ستكون محتكم فيما سيرد -إن شاء الله- في الدروس القادمة حول أسماء الله وصفاته على جهة التفصيل، هذا فيما يتعلق بالآية.