الصفحة 50 من 65

وأعجب من الفقرة السابقة، الاتصالات الهاتفية عبر الجوال، حيث يتَّصل المعتكف بكل معارفه وأصدقائه، ويسألهم ويسألونه عن الصغير والكبير والجليل والحقير من الأمور ويتبادلون المزاح، والطُرَف والمُلَح، فأين هؤلاء من قول عائشة -كما في صحيح مسلم- أنها كانت تدخل البيت للحاجة والمريض فيه فلا تسأل عنه إلا وهي مارة إذا كانت معتكفة.

أحبتي القراء! هلموا إلى الاعتكاف بهيئته المسنونة، لا بوضعه المبدل تكونوا من الفائزين، والله الموفق.

والثلث كثير

بالأمس ودّع الصائمون الثلث الأول من رمضان المبارك، فانسلخت عشرة أيام بالتمام والكمال، كأنها لمحة بصر!، سابق من سابق، واقتصد من اقتصد، وقصّر من قصّر، فقد تباينت مواقف الناس تجاه الشهر بحسب قناعاتهم العقدية، ورواسبهم الفكرية، واستعداداتهم الفطرية.

فالمؤمنون العارفون، الموقنون بلقاء ربهم تراهم صُوّامًا قُوّامًا، ركعًا سجدًا، لهم في كل باب خير نصيب، وفي كلّ مضمار شرف سبق.

احتضنوا شهرهم بصدود حانية، وأشواق غامرة، فكانت كل ساعة وكل لحظة من عمر الشهر مزدحمة بضروب الخير، وألوان الإحسان، فالصدقة والصلة والبر، والكلمة الطيبة وتفطير الصائمين بعض من سباقهم إلى نيل المعالي وبلوغ الجنان، ورغم ذلك فكلّما مرت ساعة -فضلًا عن يوم- من رمضان أصابهم الحزن وأوجعهم دنو الفراق، كيف وقد مضى الثلث والثلث كثير؟!.

وأما المقتصدون فاكتفوا بالواجب، ولم يتجاوزوه إلى مندوب، وامتنعوا عن المحرم ولم يأنفوا من تعاطي المكروه.

وهؤلاء وإن كانوا غير ملومين في الحكم الشرعي الظاهر، إلا أن المأمول أن يغتنموا روحانية الشهر وشرف الزمان، فيجعلون منه فرصة إلى علو الهمة، وطلب الكمال الممكن.

فميدان المستحب الواسع لا ينبغي أن يظل خارج نطاق اهتماماتهم، وبعيدًا عن محيط استثماراتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت