فهرس الكتاب
لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث حذيفة في الصحيح:"لا تشربوا في آنية الذهب والفضة"، ]"لا تشربوا"[ نهي، وجمهور العلماء رحمهم الله على أنه نهي للتحريم، وقد بينا أنه من أشد أنواع التحريم، والأصل أنه نهي للتحريم لأن الأصل في النهي أنه محمول على التحريم حتى يدل الدليل على ما سوى ذلك وهو الكراهة، وليس هناك دليل يصرف هذا النهي عن ظاهره الموجب للتحريم، وهناك من العلماء من قال إنه على الكراهة وهو قول عند الشافعية وإن كان المشهور عندهم أنه للتحريم وهو الصحيح خاصة وأنه ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الوعيد،"لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما"، الصحفة إناء للأكل لخمسة أشخاص تقريبًا، مثل الصحن الموجود في زماننا، هذه الصحفة تسع لخمسة أشخاص، نبه النبي - صلى الله عليه وسلم - على الصَحْفة والمراد جميع أوعية الأكل، فيشمل الصحن الصغير والكبير، وذكر الصحفة كأصل يلتحق به غيره مما يؤكل فيه، وقوله عليه الصلاة والسلام"فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة"،"فإنها"أي آنية الذهب والفضة،"لهم"أي للكفار،"في الدنيا"الدنيا هي هذه الدار، وسميت بذلك إما لدناءتها وحقارتها وهي كذلك، دنيئة حقيرة لأنها يرتفع فيها الفاجر ويهان فيها البَرْ، ويؤذى فيها المؤمن، وينعم فيها الكافر، والدليل على حقارتها وهوانها ودناءتها قوله عليه الصلاة والسلام:"لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر فيها شربة ماء"، فمن هنا كانت دنيئة حقيرة والذي خلقها أعلم بها، ولذلك يقول- صلى الله عليه وسلم:"لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر فيها شربة ماء"، وهذا يدل على أنها في غاية الحقارة، وقيل إن الدنيا سميت دينا لدنوها والشيء الداني القريب، وقالوا: لقربها ودنوها من الآخرة، وقوله عليه الصلاة والسلام:"ولكم في الآخرة"، أي للمؤمنين خالصة، فهي خالصة لأهل الإيمان في الجنة يتنعمون بها.