فالآن مثلًا وجدنا بعض المتأخرين أصبح يؤلف متنًا فقهيًا ، أصبحت الأمة بحاجة إلى من يؤلف لأن الأول لا يغني ولا يكفي حتى يأتي هذا ويؤلف . إذا كان هناك من هو أعلم منك وأتقى لله منك وأولى بالإتمام ، الحي الذي لا تؤمن عليه الفتنة وهذا أسبق وأولى فأترك الأمر له وإذا أدرت أن تدل فأشرح كتابه وبين ودل . والغريب أن كتب الأوائل تجد فيها من البركة الخير الكثير وكان الوالد-رحمة الله عليه- يقول لي: لن تجد شيء أو علمًا ألّف فيه الأول والأخر إلا ابتدأت بالأول ويشدد عليّ في ذلك ويقول: لا تقرأ للمتأخر قبل أن تقرأ للمتقدم ، حق من حقوقه ونفعني الله-- عز وجل - - بهذه النصيحة كثيرًا فإن طالب العلم الذي يحرص على الرجوع إلى الأوائل وضبط العلم من مصدره ثم بعد ذلك ينظر إلى من بعد يبارك له في علمه ، ولذلك قل أن تجد كتابًا للأولين إلا وضعت له البركة ووضع له القبول ووضع فيه النفع حتى إن بعض الكتب عرف بالتجربة أنه لا يقرأها أحد إلا نفع الله-- عز وجل - - به في علمه وهذا لا شك أن العالم إذا وضع كتابًا وهو أقرب ما يكون إلى ربه أكثر إخلاصًا وأكثر ورعًا وأكثر تحريا للصواب فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا . قيل للإمام مالك أُلفت موطآت وكان قد كتب الموطأ الذي له فألّف فصار كل واحد يؤلف موطأ موطأ موطأ كثرة الموطآت فقيل له كثرة الموطآت فقال: قولته المشهورة-رحمه الله- ستعلمون ما أُريد به وجه الله ، اليوم لا نعرف إلا موطأ الإمام مالك-رحمه الله- .
فهؤلاء الأولون بورك في كتبهم تجد متون في الحديث لن تقرأها إلا فتح الله عليك في علمها ولن تحفظها إلا وجدت البركة والخير في حفظها وضبطها ومن هنا الالتصاق بمتون الأولين وضبطها لأن القوم أكثر إخلاصًا لله-- عز وجل - - نحسبهم وهذا ظاهر والله حسيبهم وهذا ظاهر من آثارهم .