فهذه الفضائل والعطايا والنوائل لاتكون إلا للمجدين المثابرين الحريصين على ضبط شرع رب العالمين ، ولذلك ما وجدنا أحدًا من أئمة السلف ودواوين العلم-رحمهم الله- تعب وجد ونصب في طلب العلم وضبطه خاصة الفقه إلا سطع نوره وأشرق ضياؤه على الناس فانتفعت به الأمة ووضع الله له قدم الصدق وحسن الثناء والثقة بقوله والثقة بفتواه ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .
ودرجت عادة السلف الصالح-رحمهم الله- والأئمة أن هذا العلم له أناسٌ مبرَّزون به ، ولذلك كانت أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها- إذا سُئلت عن المسألة من السُّنة في سفر رسول الله-- صلى الله عليه وسلم -- أحالت إلى عبدالله بن عمر وكان بن عمر والصحابة بل عمر بن الخطاب الخليفة الراشد إذا نزلت به النازلة من شأن رسول الله-- صلى الله عليه وسلم -- في أهله وبيته أحال إلى أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها- ، وكان الصحابة يحفظون حق الفقهاء ويحفظون حق العلماء الضابطين لهذا العلم حتى إن عمر بن الخطاب-- رضي الله عنه -- لما أتاه أهل الكوفة يسألونه عن مسألة من المسائل ، قال -- رضي الله عنه - وأرضاه-: أتسألونني وفيكم صاحب السُّوادين والنعلين ، يعني عبدالله بن مسعود-- رضي الله عنه - وأرضاه- ، أتسألونني وعندكم هذا العالم الجليل الذي كان صاحب السوادين والنعلين ، كان صاحب سر رسول الله-- صلى الله عليه وسلم -- ونجواه ، ويحمل حذاء رسول الله-- صلى الله عليه وسلم -- فشهد له أنه من أقرب الناس إلى رسول الله-- صلى الله عليه وسلم -- ، ولما رأه علي بن أبي طالب -- رضي الله عنه -- قال: كُنيفٌ ملئ علمًا.